اعلان ممول

TOP

جريدة المدى > ملحق منارات > نزار قباني

نزار قباني

نشر في: 18 يونيو, 2010: 04:12 م

قاسم حدادتعرف أنك ستموت، لكن حين يحدث ذلك يكون مفاجئا ، ولحسن الحظ إنك ساعتها لا تكون موجودا . وحين يحدث ذلك، خصوصا ، لشخص تحبه، يكون الحدث بمثابة الصاعقة، لكونك موجودا خارج الحدث، ومتلقيا هشا له. لذلك أشعر بأن الموت هو قدر غير عادل، خصوصا إذا وقع على الشعراء. يمكننا تفهم الموت حين يحدث للبشر العاديين، لكن أن ينال شاعرا ،
 فهذا ضرب من العبث الذي يتوجب ... عدم تأمله. وفي هذا ما يدفعنا إلى الشك في ما يقال عن خلود الشعراء، فماذا يعني أن يبقى الشعر ويموت الشاعر؟ ثم ، لماذا يبدو الشاعر قويا أمام كل شيء فيما عدا الموت؟ لماذا يكون الموت بابا يمر فيه الجميع، أليست هناك استثناءات يخص بها الله مخلوقاته من الشعراء ؟ ثم، ماذا يعني الشاعر قبل الموت وبعده؟rn1)تنتابني مثل هذه الأسئلة كلما فقدت شاعرا . أي شاعر في العالم, كأنهم أ صدقائي أو جيراني الذين أتبادل معهم التحية كل صباح لكي يكتمل وجودي في العالم. وعندما يكون الشاعر قريبا إلى درجة نزار قباني فإن التأمل المقلق سيبلغ مداه وتطرفه ساعتها أتذكر فيلسوفا قال ذات مرة أنه ؛ليس من الحكمة التأمل في الموت, بل في الحياة وكأن في مقدورنا حقا تمييز الحدود (في كياننا) بين الموت و الحياة دعونا إذن لا نعترف بموت الشاعر(2)أعرف أنه كان يجتاز مرحلته الحرجة بعد الذبحة الأخيرة. (لماذا سماها الناس ذبحة لولا كونها إشارة إلى قتل). ترى هل أستطيع أن أسمي موت الشاعر قتلا ؟ أقول كنت أعرف أنه يجتاز ذبحته بصعوبة المقاتل. لكنني عندما سمعت الخبر ارتبكت لدرجة أنني أوشكت على التدهور في الضحك كمن لا يريد أن يقبل الفكرة. و أقسى ما في الأمر أن الذي نقل لي الخبر كان قد اتصل لكي يأخذ مني كلمة (بهذه المناسبة)، وكأن موت شاعر مناسبة لا يجوز تفويتها لإطلاق التصريحات. لحظتها شعرت أن ثمة استهتار بالموتى والأحياء معا . لوسائل الإعلام أسلوبها الفذ في التنكيل بنا، لكنني وجدت في ذلك الأسلوب (إحتفاءا ) مبالغا فيه بشاعر يموت توآوضعت سماعة الهاتف ووقعت في حزن كثيف سلب مني القدرة على الكلام طوال اليوم كأن حدثا غامضا عجزت عن تفسيره حدث لي. اليوم الأول كان يوم الحزن. وفي صباح اليوم الثاني بدأ شعور بالوحشة يسيطر علي ، كمن يكتشف فراغآ هائلا في الكون، فثمة شاعر محدد قد غاب عن الحياة. شاعر خاص لم يعد موجودا معي. شعور الوحشة هذا يجعل من الحياة قاصرة عن إقناعنا بأن لا فرق بين الشاعر وغيره من البشر فأنت تشعر بالوحشة عندما تفقد صديقا أو قريبا ، لكن حين تفقد شاعرا فإن المسألة تتجاوز الشخص لتنال الكيان كله. الشاعر هو الطبيعة التي تضفي على الحياة إنسانيتها وأسطوريتها في آن واحد. وأسطورية نزار قباني لا تكمن في شعره ولكنها تتجلى في قدرته على الحضور المتناهي في البساطة المستحيلة، تلك البساطة التي لا يفسرها شيئ سوى كائن شعري مثل نزار قباني شخصيا(3)لن أزيده مجدا إذا قلت أنه علمني الدرس الأول في الشعر، لكنها حقيقة تعنيني بدرجة أشعر بحيوتها في تجربتي، وأدرك وحدي خطورتها في تكويني الشعري. وربما نلت مجدا مضاعفا إذا صرحت بها في هذا السياق الحزين. فأنا جزء صغير من جيل شاسع أخذ من نزار قباني الدرس الشعري مبكرآ . وربما كان نزار قباني قد أتاح للغة التعبير الشعري درسا في الحب لم يعرفه من قبل. وعندما كنت أنسخ كتبه وأحفظها عن ظهر قلب (مثل الملايين غيري) لم أكن أشعر بأنه درسي الأول، ربما لأن المعنى الفني يأتي لاحقا ، ويعنيني هنا المعنى الإنساني الغامض (لحظتها) ، والمتصل بشهوة الحرية المكبوتة التي كانت ستينات هذا القرن تدخرها لجيلنا، وهو يجد في البحث عن آفاق ينطلق بها بعناصر مختلفة تسعفه للتعبير عن ذاته. نزار قباني كان مكونا جوهرا لذواتنا الإنسانية، والفنية بعد تفتح وعي الذات لذاتها. فالذين وجدوا في نزار قباني شخصا يمس شغافهم العاطفية، تيسر لهم لاحقا أن يرقبوه بوله وهو يمس الشغاف الأخرى بطريقته الغير قابلة للتقليد دون فضيحة(4)أقول دون فضيحة، لكي أشير إلى الفضيحة الرائعة التي قادني إليها تقليدي المبكر لكتابتهففي تجاربي الأولى كنت مقلدا لبعض نصوصه بصورة جعلتني أعلن أنني كنت قادرا على تقليد شاعر كبير مثل نزار قباني. ولم يكن ذلك دون فضيحة.أذكر أن الأستاذ محمود المردي (رئيس تحرير جريدة الأضواء البحرينية أوائل الستينات) كان يقرأ كل المحاولات الشعرية التي ترد إلى الجريدة آنذاك ويرد عليها شخصيا في باب القراء. أذكر أنه كتب لي ذات مرة جوابا على (قصيدة) أرسلتها للجريدة قائلا : ؛ إن هذه القصيدة صورة مهزوزة من نزار قباني«. يومها اعتبرت تلك الفضيحة شهادة اعتراف بأنني يمكن أن أفشل في تقليد نزار قباني، لكنني أيضا بدأت أكتشف كيف يمكن أصنع من هذا الفشل وتلك الفضيحة الرائعة مستقبلا جديرا بالمحاولة. أذكر هذه الحادثة الآن، لكي أشير إلى عدة أمور منها أننا كنا نتلقى الدرس الشعري على أيدي شعراء كبار ونعترف بفشلنا في تقليدهم. ومنها أيضا أن ذلك الإعتراف كان (معترفا به) من قبل رؤساء تحرير يتحملون مسؤلية الجانب الثقافي والأدبي في صحفهم، بصورة تدفعهم إلى قراءة تلك المحاولات والرد عليها بصراحة وصرامة تكبحان أي إدعاء فارغ يمكن أن يمارسه شخص يزعم أنه شاعر لمجرد أنه قل د شاعرا آخر. ومنها, خصوصا ، أن م

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

حكيمي يدفع باريس نحو جوهرة هولندا

مخاطر تعرض المياه المعبأة للحرارة المرتفعة

برلماني يحدد 3 نقاط لدرء مخاطر حرائق "الدوائر الحكومية"

الصحة تعلن تسجيل مليون مواطن بالضمان الصحي

مسؤول أممي يكشف النقاب عن مآس في مناطق بالسودان

ملحق منارات

الأكثر قراءة

مسرحية أهل الكهف لتوفيق الحكيم والطابع الذهني

تجربة الطاهر وطار.. الروائية بين الايديولوجيا وجماليات الرواية

هكذا تكلم نزار قباني..عن الشعر والجنس والثورة

ماذا قدم بريخت للمسرح العالمي؟

توفيق الحكيم رائد المسرح الذهني

مقالات ذات صلة

برتولت بريخت والمسرح العراقي

برتولت بريخت والمسرح العراقي

د. عادل حبه في الاسابيع الاخيرة وحتى 21 من أيار الجاري ولاول مرة منذ عام 1947 ، تعرض على مسرح السينما في واشنطن مسرحية "المتحدثون الصامتون"، وهي احدى مسرحيات الشاعر والكاتب المسرحي الالماني برتولت...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram