اعلان ممول

TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > العقل في فلسفة الأخلاق الكانطية

العقل في فلسفة الأخلاق الكانطية

نشر في: 31 يناير, 2023: 11:58 م

حازم رعد

في بعض الاحيان نفهم جوهر الشيء من خلال تجربته في واقعه كما يحصل ذلك في حقل العلوم والنظريات التي تساق في هذا المجال التطبيقي، واخرى من خلال التأمل فيه عبر التقاطات الحدس ومقاربة افكار الاخرين او عبر مجموعة التبريرات التي تساق كذرائعية لمباشرته كنتيجة لقراءة الحدث او الشيء، ومرة اخرى نفهمه من خلال الدوافع والاسباب المباشرة الداعية اليه والقاضية بلزوم اتيانه،

ومن هذا الاخير يمكن ان ندرك ونفهم قوام الفعل الاخلاقي عند كانط الفيلسوف الالماني الكبير الذي احدث ثورة في فضاء الفلسفة النقدية والتوفيق بين العقل والتجربة كمصادر للمعرفة.

يعتقد كانط ان لا علاقة للاخلاق بما تفعل من اشياء تعتقد انها مناسبة في واقعها او انها مطابقة لمسبقات دينية واجتماعية، فكل ذلك ليس عملاً يندرج في مجال الاخلاق بما هي دون قيد او شرط، كانط يركز النظر على العقل في التأسيس للفعل الاخلاقي فالصحيح حسبه ليس ما يفعل على اساس انه "تصرف ملائم" بل يجب تأسيسه على العقل فهو الذي يبرر لك ما عليك ان تفعل وما عليك ان تترك بغض النظر عن كل المسبقات التي تحملها وبعيداً عن شعورك اثناء الفعل.

ان التصرف الخير ومساعدة الاخرين على اساس ديني يعده كانط نفعياً "يجد ان النزعة الانتفاعية حاضرة فيه" لانه سيكون الفرد فيه من الاساس ناظراً للثواب الذي سيحصل عليه لقاء ذلك التصرف وبلاه قد لا يكون تصرف على ذلك النحو فلولا الوعد بدخول الجنة مقابل مساعدة الاخرين لما تحرك الافراد للتصرف الصواب والصحيح وهذا ما يعده كانط "تعامل نفعي" فهو فعل يتقصد من ورائه غاية شخصية او هو وسيلة لتحقيق هذا الهدف وهو الثواب بدخول الجنة مثلاً.

كان كانط يشدد التركيز في النشاط الاخلاقي على العقل ما يفرضه العقل من فعل واجب هو الذي يعد اخلاقياً لانه لا يستهدف الا التصرف الواحب والتعامل الذي ينبغي او لا ينبغي ولذا يصلح ان يكون قاعدة عامة يتصرف وفقها العقلاء كقواعد اخلاقية يقول عبد الرحمن بدوي [ ولهذا ينتهي "كنت" إلي القول بأن الإرادة الإنسانية الخيرة هي تلك التي تفعل وفقآ للواجب... فالقاعدة هي المبدأ الموضوعي صادقة بالنسبة إلى شخص آخر، ويمكن أن تكون خيراً أو شراً إن الإنسان يعرف ماذا يفعل،وليست أفعاله مجرد أنعكاسات أو أستجابات تلقائية لدوافع كما هي الحال في الحيوان].

يجب ان يبقى اعتقادك الديني وكذلك مشاعرك بعيدة عن الاخلاق فمشاعر الشفقة والتعاطف التي تؤسس لبعض الاعمال الجيدة ليست فعلا اخلاقياً وانما هي كيفيات نفسانية يتطبع بها الانسان وتشكل جزءاً من كيانه وشخصيته التي يطلع بها على الواقع وتكون اعماله تجاه نفسه والاخرين وهذه الطباع يمكن ان تتغير تبعاً للمزاج العام والضروف والاحداث المحيطة بالفرد فيتغير طباعه نظراً للمؤثرات الحاصلة ولذا هي ليست اشياء عامة تصلح لان تكون قوانين والاخلاق المراد تعميمها قانون يصلح للتعميم واستغراق الحدث والاشخاص في اطاره حال اطلاقه وصدق القول به.

كذلك الاخلاق الدينية ليست مبتناة على العقل وانما ما يدفع الانسان للعمل وفقها هو الواعز الديني والاجر والثواب الذي يترتب عليها وهنا نجد ان بعض الناس عندهم الرغبة في فعل الخير بينما غيرهم لا يمتلكون ذلك.

ولذا يرى كانط ان فعل الامور الخيرة ممكنة لكل انسان عاقل عبر اتخاذ قرارات مناسبة في ضرفها.

فمثلا اذا ساعدت انسان لمجرد شعورك بانه من واجبك المساعدة فذلك فعل اخلاقي عكس ما لو ساعته لانه محتاج الى مساعدة او انك تعاطفت معه فذلك نابع من طباعك التي تتمتع بها وليست فعل اخلاقي عام.

ولكن تجدر الاشارة الى ان تعميم ذلك فيه اسفاف فهناك من الاتجاهات الدينية من ترى ضرورة ان تتأسس الاخلاق على القواعد والمقولات العقلية بل ان الاخلاق من ناحية الرتبة سابقة على الدين ويوضح ذلك المقولة التي يتبناها المعتزلة والامامية كاتجاهين عقليين في الدين الاسلامي والتي تقول (الحسن ما حسنه العقل والقبيح ما قبحه العقل) فبحسب ذلك يكون العقل له الاسبقية في الكشف عن المنظومة الاخلاقية حتى على الدين نفسه.

وهناك اتجاه اخو ديني وهو اتجاه الاشاعرة كفرقة كلامية في الاسلام تعتقد عكس ذلك اذ ترى استحالة وجود منظومة اخلاقية مستقلة عن الديني وهذا يعني القول بتأخر الاخلاق رتبة الدين ولذا قالوا بالتحسين والتقبيح الشرعيين اي بالاستناد الى الديني.

وعودة على بدأ فانه يبحث كانط في الدوافع والاسباب التي تؤسس للفعل الاخلاقي ويحدد العقل هو الملاك العام الذي يجب ان يؤسس للفعل الاخلاقي وليس اي شيء اخر هو يريد قاعدة عامة ناظمة للفعل الاخلاقي لا تتغير او تتبدل ازاء كل تغيير وتبدل حاصل في المزاج او الواقع والضرفيات المؤثرة في الانسان والواقع فلذا هو يعد الفعل الاخلاقي مصدره الصحيح هو العقل وليس شيء اخر.

يبدوا ان كانط كان ينظر بالاساس الى النوايا التي يستبطنها الفعل الاخلاقي، ولا يعير ذلك الاهتمام لذات الفعل، رغم ان هذه الفكرة تطابق التصور الديني اذ النوايا ترتبط بالعمل العبادي بشكل وثيق فنية المؤمن خير من عمله ونية الكافر شر من عمله.

ولذا هو يجد الكذب فعل لا اخلاقي مطلقاً حتى لو كان يؤتى بدواعي اخلاقية او كان يحقق غرض خير وجيد كما يصنع البعض حينما يكذبون حتى لا تحصل مفسدة من نوع ما او يكذبون لاجل لتمنع حصول جريمة مثلاً كانط يرى ذلك قبيحاً وهو فعل لا اخلاقي اطلاقاً ولا يمكن بحبسه قبول اي تبرير في خصوص ذلك ليس هناك كذب بريء، لانه يرى ان الفعل الاخلاقي قاعدة عامة لا تقبل التجزئه والاخلاق تقوم وفق تلك القواعد العقلية العامة فلا يمكن ان تصح في ضرف ولا تصح في ضرف اخر،فقول الحقيقة امر الزامي قطعاً،

كان كانط يريد بذلك ان لا تجعل من نفسك حالة خاصة وتحاول تفصيل القوانيت العامة على مقاسك الخاص وفق مصالحك الشخصية فلذا هو كان يرفض خداع الناس بعضهم لبعض حتى لو كان في خدعة ما تحصيل امر جيد وذو بال للشخص كان يرفض اعطاء وعود كاذبة حتى لو كان فيها شيء من المصلحة الخاصة لشخص ما، كان يرى ان الاخلاق اوامر الزامية عامة كلية وقطعية ولا يمكن التجزئة فيها حتى لا تعطى ذريعة للخداع والكذب واطلاق الوعود الكاذبة بحجج وجود مصلحة من نوع معين.

لكن قد نجد عكس ما يراه كانط، فمثلا ارسطو يرى ان الفضيلة او الفعل الاخلاقي هو فعل الشيء الصحيح المناسب فهذا ما يجعل الحياة تسير بشكل مناسب وتوفر سعادة للانسان بغض النظر عن الدوافع الداعية للفعل ولذا فأن الفعل الاخلاقي هو الوسط بين رذيلتين فالشجاعة هي الوسط الذهبي بين التهور والجبن، وهنا ينظر ارسطو للممارسة المناسبة غاضاً النظر عن الدافع من ورائها فالمهم ان يكون الفعل صحيحاً ويؤدي نشاطاً يخفف معاناة الفرد والواقع ويسهم فعل ماهو صائب يكفي عن البحث في الاساسات الدافعة لذلك الفعل هي هي العقل او الدين او السجية والطباع فالمهم كل المهم هو الفعل اخلاقي ومناسب،وهذا المعنى نجده الغالب فيما لو فتشتا عن وجهات نظر المفكرين والفلاسفة في خصوص بحث الاخلاق فهم شبه يتفقون على هذا المعنى.

(ان نقطة الخلاف التي يمكن الخروج بها من موقفي كل من ارسطو وكانط تتعلق بتصورهما للعلاقة بين الاخلاق نظرية والاخلاق تطبيقاً فأرسطو يرى ان النظرية الاخلاقية يجب ان تترتب على التطبيق بل تتعدل النظرية وتختفي امام التطبيق في بعض الاحايين، اما كانط فيرى العكس من ذلك تماماً فهو يعتقد ان النظرية الاخلاقية هي التي تتكفل بتنظيم التطبيق وتتحكم به ومن ثم يجب ان توضع النظرية وتبين فلسفتها بمعزل عن التطبيق فالاخلاق يجب تأسيسها قبل تطبيقها) كما يقول مازن رعد المطوري في كتابه دراسات في فلسفة الاخلاق.

ان الخلاف بين الفيلسوفين اساسه يعود الى اصل المتبنيات الفلسفية فيبدوا ان ارسطو ينظر للاخلاق من ناحية افادتها بالواقع الجزئي وبمنظور المشاهدات بينما كانط ناظراً للاطار النظري الذي تتقعد عليه التطبيقات والسلوكيات.

وايضاً كان جيرمي بنثام يرى ان صحة او خطأ ما نفعله تحدده النتائج المحتملة الناجمة عنه، ولا يتحدد من خلال قواعد اولية او قبلية وقيمة الفعل عنده تكمن في المنفعة التي يعود بها على الفرد او الجماعة فذا هو لا يحدد مصادر المتعة ويعتقد ان اي طريق يجلب سعادة على الانسان هو منفعة وهو فعل واقعي وصحيح وذلك ما تحدده الضروف ايضاً فمثلاً قد يكون الكذب صحيحاً في اوقات معينة اذا ادو الى منفعة من نوع ما ويكون بحسبه فعلاً اخلاقياً، عكس ما رئيناه مع كانط الذي يعتقد بقبحه مطلقاً وبشكل قطعي لان الامر الاخلاقي عام لا يتجزأ. فالفعل لا يعد من الاخلاق مالم يكون مؤسساً على العقل.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

الصين: مصرع شخص وفقدان 8 آخرين جراء الفيضانات

"أبو طبر" على رأس هدافي دوري نجوم العراق

منتخب إسبانيا مُهدد بالغرامة بسبب لامين يامال

طقس العراق: غيوم وانخفاض بدرجات الحرارة

تعرف على فائدة الخضار الورقية

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

المتفرجون أعلاه

جينز وقبعة وخطاب تحريضي

تأميم ساحة التحرير

زوجة أحمد القبانجي

الخارج ضد "اصلاحات دارون"

العمودالثامن: المثقف عندما يمتهن الصدق

 علي حسين قبل أيام دخل المفكر الأمريكي الشهير نعوم تشومسكي إلى المستشفى في البرازيل بعد إصابته بسكتة دماغية حادة.وقالت زوجته فاليريا تشومسكي إن زوجها البالغ من العمر 95 عامًا يعاني من صعوبة في...
علي حسين

باليت المدى: امرأة فرنسية بخطوات واثقة

 ستار كاووش كان على القطار أن يقطع هولندا من شمالها الى جنوبها، ثم يتجاوز الحدود البلجيكية ويمضي حتى بروكسل لأستبدله بقطار آخر يأخذني نحو الجنوب حيث الحدود الفرنسية التي ما أن يتجاوزها هتى...
ستار كاووش

ثورة بغداد المنسية 1831 .. المحطة المبكرة في بزوغ العراق الحديث

فراس ناجي مرّت علينا في 13 حزيران ذكرى ثورة بغداد في 1831، ذات الطابع الوطني التحرري المرتبط بمسار التحول نحو الدولة الوطنية الحديثة للعراق، لكن رغم ذلك ذكراها ظلت في الغالب منسية سواء من...
فراس ناجي

لماذا يقتل الإنسان أخاه الإنسان؟ الحروب المجتمعية في التحليل السيكولوجي

د. قاسم حسين صالح موضوع البرنامج يقوم على حقيقة ازلية هي ان لماذا الحرب..بين مكونات الشعب الواحد؟ لماذا يقتل الأنسان اخاه الأنسان؟ هل هناك وسيلة.. طريقة لأنقاذ البشرية من الحروب؟ هل من الممكن السيطرة...
د.قاسم حسين صالح
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram