اعلان ممول

TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناطر: ليلة شُغلتُ عن النوروز

قناطر: ليلة شُغلتُ عن النوروز

نشر في: 22 مارس, 2023: 11:54 م

طالب عبد العزيز

انا حزين، ومقصِّرٌ وأشعر بالذنب، ذلك لأنني نسيت تهيئة متطلبات صينية عيد النوروز! لم ينبهني أحدٌ من الاولاد، والله. كذلك كانت زوجتي منشغلة، بإعداد الركن الرمضاني، في بهو البيت، فهي تعلق الفوانيس، وتحدد امكنة الشموع وباقات الورد الصناعي، وتقترح منامات في الزوايا للهيئات والاشكال التي جلبتها، وكيف ستكون عليها، أما أنا فقد شغلت أقرأ بكتاب جديدٍ، عن الشاعر هلدرلين، حيث لم يبق من الوقت عندي لتنفيذ مادة الجريدة.

أمس، وبعد صلاة العصر، لكم أحبُّ توقيتاتِ أهلي بأبي الخصيب، كانوا لا يعلّقون الساعات على حيطانهم، ولا يقيّدون أيديهم بها، الشمسُ بمطالعها ومغايبها تؤقت لهم، هي تقترح مباهجهم، ومنها يطلون على الارض أو يقبلون على بعضهم. أمس، كنتُ قد اختليت بنخلات ثلاث، هنَّ ممن تفتق ليفُهنَّ، ولأول مرة عن طليعات صغار، كنتُ، بالكاد قد إهتديتُ اليهن، فقد أخوصَّنَ جداً، وتشابك عليهنَّ من السعف الطوال ما تشابك، أردتهن شريكات لصويحابتهن، اللواتي أتممن بلوغهن العام الماضي، وأثمرن. هذه السعادات اخذتني الى أحضانها، شغلتني عن رؤوس الخس ودرازن البرتقال وأكياس المعجنات والحلوى، وأنستني الاحتفال الرمزي بالنوروز.

حين أعود بذاكرتي الى خمسينات وستينات القرن الماضي أجد أنَّ أيام الأعياد كانت أكثر من أيام العزاء، والناس تقبل على المباهج وتعاف الاحزان نفوسُها، وهناك إفراط في استعمال السعادات، وتقتير واضح في البكاء والدموع، كانت أسنان الاطفال لؤلؤيةً وسيقان وصدور النساء أكثر بياضاً من اليوم، أما الدموع فكانت عصية جداً، والناس لا يرتدون الثياب السود إلا أياماً معدودات في السنة، لكم يجعلني كئيباً هذا الثوب النازيُّ، أمّا أبناء القرى فهم السعادة بعينها. ففي قبضة الشيخ اسم الله، قبل تسنبلها ما لا يحصى منها، وفي اليعاسيب الصغيرة، وهي تتسرب من بين الاصابع، طائرة، ما يكفينا من الضحك، نحن لا نقطف الورد، ولا نضعه في ياقات قمصاننا، ابداً، هو مطلق مثلنا في البساتين، أفوافه تبتسم وتضحك مع النسائم.

من مكبِّر الصوت بالمسجد يأتي النذيرُ والوعيدُ، الرجل الذي لم يتشكل وجهه على صورة الرحمن يحرّم ما بدا له، ويحذّر النساء من تأخيرهن لصلاة الفجر، ويتوعدهن بالنار من الاحلام الزائدة، يسمع الاطفال الذين كنّا بأعمارهم حديثه، فتؤمِّن الامهاتُ عليه. على واجهة الحسينية انتشرت لوائح إمساكياتٍ ملونة بصور الميتين، يطالبنا أهلوهم بقراءة سورة الفاتحة على أرواحهم، أما التاجر الذي دكانته قرب بيتنا فيبيع صفيحة الزيت بثلاثين ألف دينار، وعلبة الحليب بألفين ونصف. كان أعجلهم الى المسجد، ساعته حديثة، ودشداشته من الكويت، لكنَّ ليلة أمس، ليلة النوروز مرت دونما معجنات وحلوى وبرتقال.

لو أنَّ زوجتي لم تنشغل بالركن الرمضاني، على هيئته المضببة والكئيبة في رأسها، لو أنها تذكرت طفولتها على شط العرب، لو خطفت بنفنوفها الوردي القصير، حيث كنا نجتمع هناك، والماء يطيش عالياً، تقذفه محركات الزوارق على وجوهنا، لو استحضرت ألوان قشور البرتقال وعلب البيرة الطافحة وأوراق الخس وقشور الفستق على الرصيف، وتحت أشجاره الظليلة الوريفة.. لو، لكنتُ اشتريت لصينية النوروز كلَّ ما في سوق الفاكهة من برتقال، وكل ما في سوق المعجنات والسكاكر والمكسرات من المباهج والمسرات.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 1

  1. كاظم مصطفى

    البصره الضاحكه دوما هرب منها ومن البصريين السعاده والمرح والموسيقى الشعبيه وحدائقها وجزيرتها والمطار وكورنيشها زحف الجهل والدجل ويتحول شط العرب الى مملحه ونهر العشار الى مكب للزباله

ملحق عراقيون

العمودالثامن: أمنيات العراقيين

 علي حسين خبر سعيد مجلسنا الموقر مجلس النواب سيتوقف عن عقد جلساته حتى عودة الكثير من أعضائه من الحج ، ورغم أنني مثل غيري من ملايين العراقيين، نأمل أن يغط برلماننا في نوم...
علي حسين

كلاكيت: في رحيل عبد اللطيف عبد الحميد

 علاء المفرجي برحيل المخرج السوري عبد اللطيف عبد الحميد، تكون السينما السورية الجديدة ، قد فقدت احد ابرز روادها، وهو بحق المخرج الذي يرتبط أسمه بأبرز نتاجات هذه السينما، بدءا من تقديم نفسه...
علاء المفرجي

تعدد مراكز القوى ومستقبل العملية السياسية

فرات المحسن البطالة المستشرية بين أوساط الشباب، وضعف الروابط الاجتماعية، تدهور التعليم، هشاشة الرابط الوطني،تعاطي المخدرات تفشي الأمية وانتشار الخرافة حتى بين أوساط المتعلمين. جميعها كانت وستبقى نذر شؤم سبغت بطابعها المجتمع، وأضفت عليه...

قناطر: بغداد التي لم أتبغدد فيها

 طالب عبد العزيز أصِلُ بغداد مدفوعاً بالحاجة والحلم الى مدينة مختلفة، أشعر فيها بالقوة والمنعة والجمال! مع يقيني بأنها ليست كذلك اليوم، لكنني، أعللُ النفسَ بشيء من ذلك، كيف لا، وهي العنوان الأكبر...
طالب عبد العزيز
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram