اعلان ممول

TOP

جريدة المدى > مسرح > قصتي مع السيبرنطيقا

قصتي مع السيبرنطيقا

نشر في: 3 ديسمبر, 2012: 08:00 م

(2)
شارع المتنبي
  في زمن الحصار كانت السلوى لدي، مروري اليومي وتجوالي في شارع المتنبي وأرصفة كتبه المميزة بسبب عملي في الشورجة، التي تعد في ذلك الوقت مركزا تجاريا وصناعيا، ولأن الحصار المقيت كان  ينخر عظام العوائل العراقية التي تساوت في هم المعيشة، لذا منهم من هام على وجهه في ارض الله الواسعة ومنهم من بقي في حدود الوطن الحزين، همهم الوحيد توفير لقمة الخبز التي كانت بلون الأزرق المخضر! ومثل باقي الناس كان علي العمل  في النهار والدرس والتفكير بالمعرفة في الليل ! وما زاد في الصعوبة أن تفكر بالدراسات العليا لأنها لدى الكثيرين ،  بمثابة بطر أو ترف زائد لا يتوافق مع صعوبة الحياة، لكني قبلت التحدي ودخلت ميدان البحث العلمي، طواف لا يمل في الفكر والعقل يبحث في أروقة المعرفة الأدبية والعلمية والفلسفية عن موضوع أو منهج يقترح تفسيرا لتجربة التمثيل المسرحي وعلى نحو جديد يبتعد عن الجاهز من النظريات التي فسرت الأداء التمثيلي.. وهنا جاء دور رصيف شارع المتنبي في حل المشكلة، إذ كنت متحيرا في اختيار عنوانا لرسالة الماجستير يكون مميزا وراسخا في ذاكرة العلم والناس، وهذا ما كان في ذلك الأوان، كتاب متوسط القطع مستلق على الرصيف ينتظر من يقلبه أو يبتاعه، عنوانه (السيبرنتيك والاعلام ) لمؤلفه ((أ . بانكوف)) ، جذبني العنوان، رفعت الكتاب وتصفحته لدقائق، استهواني فاشتريته. في الكوستر أو باص النقل  الذي أقلني حين كنت راجعا إلى البيت ، انغمست في قراءته ، واكتشفت ضالتي ! ماذا لو كان البحث " تفسير ومعالجة الأداء التمثيلي بوساطة علم السيبرنطيقا " التي تعرف بعلم التحكم والاتصال في الحيوان والآلة! منطلقا من فرضية لطالما كنت متنبها لها في عروض المسرح العراقي ، إما المبالغة أو الإطالة، فضلا عن التصنع والتكلف في الأداء التمثيلي في أغلب العروض، وبالتالي كان الدافع العلمي ينطلق من حاجة أو مشكلة جوهرية تتعلق بعدم قابلية الممثلين علة ضبط نشاطهم الاتصالي داخل الموقف التمثيلي وعدم استقرارهم على العمل المتناغم وعدم القدرة على البث الارسالي المستقر بسبب زيادة عناصر التشويش الفكرية والمادية التي بدورها تزيد من درجات عدم اليقين لدى الممثل بأن ما يقدمه ضمن حدود الموقف التمثيلي غير مقنع وخال من الصدق الذي يعد البوابة الرئيسة لفن  الأداء التمثيلي الفعال، فالدور أو الوظيفة التي يسعى إليها الممثل تتلخص بإنتاج الملائمة السلوكية المتوافقة مع الأنموذج الدرامي للشخصية في النص، فضلا عن المعالجة الإخراجية التي تمثل التصور السلوكي المقترح لدى المخرج إزاء الشخصية التي يسعى الممثل الى تجسيدها. وهنا تنظر السيبرنطيقا إلى فن التمثيل بوصفه أنموذجا تفاعليا قوامه الاتصال الفعال ما بين الممثلين والأشياء على خشبة المسرح . والتمثيل سلوك يتبنى الحضور المباشر والتفاعل وجها لوجه ، وعملية اتصال الممثلين بعضهم مع البعض الآخر ومع البيئة التي يتواجدون فيها والتي تؤثر في حركة وبناء النظام التمثيلي بأكمله ، ويمكننا تشبيه النسيج الاتصالي الكلي للأداء التمثيلي على خشبة المسرح بالنسيج العصبي لخلية النحل ، الذي هو "مجموع النسيج العصبي لعدة أفراد من النحل" ولأن نظرية الاتصال تمتلك حضورا مباشرا وفعالا في العلوم الإنسانية والصناعية والهندسية، تقوم على أساس نقل المعلومات وتبادلها بين فرد وآخر، لذا يكون من المناسب تفسير الأداء التمثيلي على أنه فعل اتصالي تراسلي بين الممثل والآخرين والمحيط المسرحي على حد سواء.
   ويلاحظ أن فكرة أو مبدأ الاتصال التمثيلي بدأت مع إضافة أسحيلوس للممثل الثاني في العرض المسرحي الإغريقي، ومنه تطور لاحقا التمثيل وتعددت أشكاله وأنماطه الاتصالية باختلاف وتعدد الأساليب وطرائق المعالجات المسرحية، ولم تبرز ظاهرة الاتصال التمثيلي (Ensample acting) إلا في العصر الحديث، إذ تبلورت لدى فرقة (جورج الثاني/ دوق ماينغن ) وانتشرت في بعد ذلك في أوربا وبقية أنحاء العالم .
إن الممثل على خشبة المسرح لا يخلق الشخصية المسرحية فحسب ـ وإنما يساعد على خلق الشخصيات الأخرى، إذ أن الممثل على خشبة المسرح يتواصل ويتفاعل بفعل متداخل مع أفعال الآخرين ومع المحيط الشامل لفضاء المسرح، وعلى وفق هذه العملية فإن الفعل الاتصالي للممثل، يمثل ظاهرة إنتاجية للنظام التمثيلي بشرط تعرف الممثل على جميع العناصر البشرية والمادية داخل النظام التمثيلي، الذي يحقق للممثل السيطرة والتوازن وخلق الإحساس بالتبادل الاتصالي الفعلي مع الممثل الآخر (التغذية المرتدة).
وإذا عددنا هذه العناصر عاملة في ظروف وسلوك اتصالي معين ، عندها يكون من الواجب إنتاج أدوات ضابطة وموجهة ومراقبة للنشاط الاتصالي داخل النظام التمثيلي ، والمبادئ النظرية علم السيبرنطيقا وتطبيقاته العملية يكون الجهاز الإداري والسلوكي المناسب للتحكم وضبط عمل وسلوك الاتصال التمثيلي ، وبالتالي تكون عمليات الضبط المستمرة للأداء التمثيلي ، المسؤولة على عمليات إنتاج الفعل التمثيلي وأهدافه بوساطة الصوت والحركة والإيماءة مستقرة وفاعلة مسرحيا .

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

التربية توجه رسالة إلى طلبة السادس الاعدادي

كومو الإيطالي يضم علي جاسم لصفوف فريقه الأول

التربية: 1000 مدرسة ستدخل الخدمة نهاية العام الحالي

يامال: اريد أن أصبح أسطورة في برشلونة

القبض على موظـف في المصرف الزراعي بميسان استولى على 131 مليون دينار

ملحق منارات

الأكثر قراءة

المكتبة المسرحية: ثلاثة أعمال مسرحية للكاتب أحمد إبراهيم الدسوقي

سلطة المسرح ومسرح السلطة في العراق

المخرج المسرحي وخلفيته الثقافية

نقد الرياء الديني في مسرحية طرطوف لموليير

حول مسرحية تشيخوف الكوميدية (الدب)

مقالات ذات صلة

مسرحية رائحة حرب.. كايوسية التضاد بين الحرب ورائحته
مسرح

مسرحية رائحة حرب.. كايوسية التضاد بين الحرب ورائحته

فاتن حسين ناجي بين المسرح الوطني العراقي ومهرجان الهيئة العربية للمسرح في تونس ومسرح القاهرة التجريبي يجوب معاً مثال غازي مؤلفاً وعماد محمد مخرجاً ليقدموا صورة للحروب وماتضمره من تضادات وكايوسية تخلق أنساق الفوضوية...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram