TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > جريدة جورنال العراق ..بين الحقيقة والخيال

جريدة جورنال العراق ..بين الحقيقة والخيال

نشر في: 20 مايو, 2024: 11:35 م

علي أبو الطحين

يحتفل العراقيون بميلاد الصحافة العراقية في الخامس عشر من حزيران من كل عام، وهو يوم صدور صحيفة الزوراء في بغداد سنة 1869 في عهد الوالي المصلح مدحت باشا. وكانت عدد من الدول العربية قد سبقت العراق في اصدار الصحف باللغة العربية، في كل من مصر ولبنان وسوريا وتونس وليبيا، ربما لموقع هذه الدول على البحر وسهولة وصول مكائن الطباعة إليها من الدول الأوربية عبر البحر المتوسط.

حاول عدد من الصحفيين العراقيين بين الحين والآخر، الادعاء سبق العراق في صدور أول صحيفة عربية بوجود صحيفة اسمها "جورنال العراق" صدرت في بغداد سنة 1816. ليكون بذلك العراق قد سبق مصر في ريادة الصحافة العربية، حيث يعتقد أن مصر هي أول دولة عربية ظهرت فيها الصحافة العربية سنة 1828، في زمن الوالي محمد علي باشا.

وكان أول من أدعى وجود "جورنال العراق" هو الصحفي العراقي الكبير رزوق عيسى صاحب مجلة "المؤرخ"، حين نشر مقال عن "تاريخ الصحافة في العراق" في مجلة "النجم" الموصلية سنة 1934، واعاد نشر المقال في مجلته "المؤرخ" في سنة 1939، حيث جاء فيها ما يلي :

[ بيد أنه ورد في بعض أسفار رحالي الافرنج ومنهم الانجليز تلميحات وأشارات الى أن أول صحيفة ظهرت في بغداد كانت تعرف باسم "جورنال العراق" أنشأها داود باشا الكرجي عندما تسنم منصب الولاية عام 1816 وكانت تطبع في مطبعة حجرية وتنشر في اللغتين العربية والتركية، ويذاع فيها وقائع القبائل وأنباء القطر العراقي وأخبار الدولة العثمانية وقوانين البلاد وأوامر ونواهي الوالي والاصلاحات الواجب اجراؤها واسماء الموظفين إلى غير ذلك من الحوادث الخارجية وكانت توزع على قواد الجيش وكبار الموظفون وأعيان المدينة واشرافها وكان يعلق منها نسخاً بأعمدة جدران دار الامارة ليطلع على ما فيها من يهمه الوقوف عل أخبار الدولة وتقدمها.

هذا ما عثرت عليه في كتب الرحالين ومنها : سجل الوقائع اليومية لمدينة بغداد من سنة 1830 – 1831 لمؤلفه المستر انطوني ن. جروفس المطبوع في لندن عام 1832 وعنوانه بالانجيلزية

A Journal of a Residence at Baghdad, during the years 1830 and 1831.

ترجمت مجلة المؤرخ في عامها الاول طرفاً من هذا الكتاب بأسم "أخبار دار السلام قبل مائة عام" ومنها أيضاً "تاريخ بين النهرين واشور من اقدم العصور الى اليوم" تأليف ج. بايلي فرازر الطبعة الثانية عام 1842 وتقرير الزعيم تيلر المعتمد السامي الانجليزي في بغداد وسجل اليوت المخطوط وغيرها من الاسفار التي وضعها رتش وبكنكهام وبورتر وروسو الخ.]

ثم يستدرك رزوق عيسى في الفقرة التالية قائلاً : بيد أن الكاتب المحقق لا يليق به ان يجزم بصحة ما طالعه في كتب الرحالين ما لم يعثر على نسخة من تلك الصحيفة ويؤيد مقاله.

هذا الأدعاء بوجود "جورنال العراق" تلقفه عدد كبير من الصحفيين العراقيين في مقالات وكتب عديدة عن تاريخ الصحافة العراقية منهم، رفائيل بطي في كتابه "تاريخ الصحافة العراقية" وكذلك عبد الرزاق الحسني وشهاب أحمد الحميد وغيرهم كثيرون، بدون أي تمحيص أو تدقيق للمصادر المذكورة، مع بيان استدراك رزوق عيسى بانه لا يمكن الجزم بوجودها لعدم العثور على نسخة من الجريدة.

ومن الطريف ان يتناول الصحفي العراقي المخضرم محسن حسين في مقال نشر قبل بضعة سنوات بمناسبة عيد الصحافة العراقية وظهر كذلك في كتابه المعنون "من أوراق صحفي عراقي"، ذات الادعاء بوجود صحيفة "جورنال العراق" قبل "الزوراء"، حيث يقول : "لكني أكتشفت وجود صحيفة أقدم من الزوراء وكتبت عدة مقالات حول ذلك، تلك هي صحيفة (العراق) التي صدرت قبل الزوراء بأكثر من نصف قرن. لكن اكتشافي لم يؤخذ به حتى الآن ! !

ويورد لنا محسن حسين بالنص ما ذكره رزوق عيسى قبله بأكثر من سبعين عاماً، على أنه اكتشافه، مضيفاً : "بين يدي عدد من الكتب والدراسات تشير إلى صحيفة العراق وتنقل هذه الكتب ما ورد في كتاب (سجل الوقائع اليومية لمدينة بغداد سنة 1830 لمؤلفه المستر أنطون ن. جروفس المطبوع في لندن سنة 1832 ويذكر العنوان باللغة الانكليزية كما ورد في مقال رزوق عيسى.

بعد مراجعة كتاب المبشر البريطاني أنطوني نورس غروفس المذكور والمطبوع سنة 1832، ورحلة البريطاني جيمس فريزر المطبوع سنة 1842، لم أجد في أي من الكتابين ولا حتى كلمة واحدة تشير من قريب أو بعيد بوجود "جورنال العراق".

وليس هناك أي اشارات أو تلميحات في نصوص الكتب الأصلية للرحالين الآخرين، كما أدعى كل من رزوق عيسى ومحسن حسين، سواء في رحلة القنصل البريطاني ريتش أو الرحالة الاسكتلندي بورتر ولا حتى الرحالة البريطاني المشهور بكنكهام، فلم يرد في رحلاتهم ولا حتى أشارة واحدة الى هذا الأدعاء الباطل. ويمكن مراجعة الترجمات العربية المتوفرة لرحلة فريزر ورتش وبكنكهام. بل هناك ما يؤكد عدم وجود أي صحيفة ذلك الوقت في بغداد، حيث ورد في رسائل ومذكرات الكاتب البريطاني جون كيتو وكان مرافقاً للطبيب أنطوني نورس غروفس في بغداد، حين ذكر في أحدى رسائله التي بعثها من بغداد في 19 شباط 1831، بان "الأخبار متضاربة بشأن الحالة في بغداد، فليس هناك صحف أو أي مصدر عام أخر للمعلومات".

فمن أين جاءت هذه الاشارات والتلميحات، بل وهذه التفاصيل المسهبة بصدور الصحيفة باللغتين العربية والتركية وما تحمله من الاخبار والقرارات والنشاطات المختلفة وتوزيع الصحيفة على قواد الجيش واعيان بغداد وتعليقها على أعمدة الجدران .. الخ. من الواضح ان القصة مختلقة من خيال رزوق عيسى وليس لها أي سند أو دليل على الأطلاق، وكانت السيدة زاهدة إبراهيم صاحبة كتاب "كشاف الجرائد والمجلات العراقية " قد بحثت عن الموضوع ولم تجد اي دليل لوجود جورنال العراق.

وربما من الضروري بيان، أن داود باشا لم يصبح والياً على بغداد في سنة 1816 كما ذكر رزوق عيسى ونقل ذلك عنه محسن حسين، وانما كان ذلك في سنة 1817.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: مئوية سليم البصري ومحنتنا

العمود الثامن: الصيهود قبل وبعد.. وبعد

هل يمكن للثقافة أن تنهض في ظل الطائفية؟

العمود الثامن: المالكي والصفارة الثالثةً

العمود الثامن: "شنطة" نجيب محفوظ

العمود الثامن: المالكي والصفارة الثالثةً

 علي حسين ينشغل المواطن العراقي هذه الايام بمتابعة مباراة حاكم البيت الأبيض دونالد ترامب، مرة يعتقل رئيس دولة، ومرة يقرر الاستيلاء على جزيرة ء، ومرات كثيرة يصر ان يضع العالم في جيب سترته...
علي حسين

باليت المدى: روح محمَّلَة بالأمل

 ستار كاووش في الطريق الى المكتبة العامة، لفَتَتْ إنتباهي بناية جميلة في نهاية الشارع القريب من مرسمي، لم يستوقفني فقط لون البناية الرمادي الهاديء أو الزهور المحيطة بالمكان، بل اليافطة برتقالية اللون التي...
ستار كاووش

القبضة الأمنية وتآكل الدور الدبلوماسي العراقي

حسن الجنابي 1-4 حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، أمكن الحديث عن مسار دولة يسعى –بتعثّر وفي ظل طبيعة استبدادية واضحة – إلى بناء مؤسسات مدنية وإدارية، مستنداً إلى توازنات اجتماعية واقتصادية ناشئة ونزاعات قابلة...
حسن الجنابي

الإعلام حين يفتقد الدراما

ابراهيم البهرزي لنتفق اولاً بانه لا توجد قناة فضائية بريئة تمامًا. فملايين الدولارات التي تُنفق على بناء استوديوهات، وأجهزة بث، واشتراكات في أقمار صناعية واجور عاملين وفنيين لا تُدفع من أجل الحقيقة وحدها؛ فالحقيقة...
ابراهيم البهرزي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram