TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > العمودالثامن: مجلس نواب أم مجلس عشائر؟!

العمودالثامن: مجلس نواب أم مجلس عشائر؟!

نشر في: 2 يونيو, 2024: 12:00 ص

 علي حسين

لا أفهم كيف لنائب منتخب، أن يخرج إلى الناس ويقول لهم جئنا لكي نهذّب أخلاقكم، ولا أعلم كيف يرى هؤلاء العراق وكأنه بلد بلا أعراف وأهله لا يعرفون القيم الاجتماعية، وأن يصوروا للناس أن البلاد تنتظر أن يشكل مجلس أعلى للقبائل والعشائر مهمته القضاء على العادات والتقاليد السيئة.. بينما الناس لا تشكو من انحلال أخلاقي، وإنما تعاني من مظاهر اللصوصية والقتل على الهوية واحتقار المرأة والرشوة وسرقة المال العام والانتهازية وهي قيم وتقاليد يسعى البعض لترسيخها بقوة.
إن المشهد يبدو مثيراً للدهشة حين يقف عدد من النواب وسط البرلمان لليطالبوا بـضرورة تشريع قانون المجلس الوطني للعشائر لتهذيب الأعراف الطارئة على المجتمع العراقي.
لعل هذا الاستغراق في الحديث عن الأخلاق والأعراف يشعرك وكأن العراق تأسس عام 2003، وأن السادة النواب كان لهم الفضل باكتشاف هذه الرقعة الجغرافية التي وجدوا على سطحها أقواماً وقبائل متوحشة، كانوا ينتظرون أن يأتي إليهم الفاتحون الجدد بكل أسباب الرقي والتحضر، ولعل حديثاً من هذا النوع في عصر المنجزات العلمية الكبرى يهين عقلية العراقيين، ويسيء إلى العراق في الوقت ذاته، ذلك أنه يحمل اعترافاً ضمنياً بأن هذه البلاد لم تهضم الحضارة برغم مرور آلاف السنين على بزوغ القوانين والكتابة على سطحها.
وأحسب أن مطلقي هذه التصريحات الكوميدية يدركون أن قيم هذا المجتمع ظلت راسخة في أعماق الناس، حتى خرج عليهم أمراء الطوائف وصبيان السياسة فانقلب الحال وأصبحنا نسمع دعوات للاحتشام والعودة إلى طريق الهداية، في ظل غياب كامل للخدمات وصراع سياسي على المناصب والمنافع، وحين يشكو المواطن من سوء الحال يخرج عليه أحد الذين نصبوا أنفسهم أوصياء ليرتدي زي الوعاظ مطالباً الجميع بأن لا يخرجوا على إرادة المسؤول ، وما على الرعايا إلا الطاعة والتسبيح بحمد البرلمان ليل نهار، بل ذهب الخيال بالبعض أن تصور نفسه مبعوث العناية الإلهية لإنقاذ هذا الشعب المارق وإخراجه من عصور الجاهلية إلى عصر الحضارة.
طريقة ساذجة للغاية للهروب من الواقع، وكأن حياة الناس وحرياتهم قضية أخلاقية، مقطوعة الصلة بالعديد من المشاكل والمساخر السياسية والاقتصادية، التي أوجدتها سياسات حكومية مختلة عقلياً.
يريدون أن يشغلوا الناس بالقشور دون الغوص في جوهر المشكلة، بحيث ينصرف المجتمع كله إلى مناقشة حكم العشيرة في المطالبة بالحريات، وحكم القبيلة في الاختلاف مع البرلمان، وحكم أولي الأمر بما يدور حولنا من مهازل ومضحكات.
ولو دققت فيما يدور الآن من أحاديث وخطب وصراع سياسي، ستجد ظلالاً من عالم الطائفة والقبيلة، ولنأخذ مثلاً، ما يصرح به بعض النواب عن ضيقهم من شركائهم السياسيين، محذرين بلغة أهل القبائل من أن الاقتراب من قلعة البرلمان وقراراته خط أحمر.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: راتب عالية وتقاعد لؤلؤة

العمود الثامن: مئوية سليم البصري ومحنتنا

العمود الثامن: الصيهود قبل وبعد.. وبعد

هل يمكن للثقافة أن تنهض في ظل الطائفية؟

العمود الثامن: "شنطة" نجيب محفوظ

العمود الثامن: المالكي والصفارة الثالثةً

 علي حسين ينشغل المواطن العراقي هذه الايام بمتابعة مباراة حاكم البيت الأبيض دونالد ترامب، مرة يعتقل رئيس دولة، ومرة يقرر الاستيلاء على جزيرة ء، ومرات كثيرة يصر ان يضع العالم في جيب سترته...
علي حسين

باليت المدى: روح محمَّلَة بالأمل

 ستار كاووش في الطريق الى المكتبة العامة، لفَتَتْ إنتباهي بناية جميلة في نهاية الشارع القريب من مرسمي، لم يستوقفني فقط لون البناية الرمادي الهاديء أو الزهور المحيطة بالمكان، بل اليافطة برتقالية اللون التي...
ستار كاووش

القبضة الأمنية وتآكل الدور الدبلوماسي العراقي

حسن الجنابي 1-4 حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، أمكن الحديث عن مسار دولة يسعى –بتعثّر وفي ظل طبيعة استبدادية واضحة – إلى بناء مؤسسات مدنية وإدارية، مستنداً إلى توازنات اجتماعية واقتصادية ناشئة ونزاعات قابلة...
حسن الجنابي

الإعلام حين يفتقد الدراما

ابراهيم البهرزي لنتفق اولاً بانه لا توجد قناة فضائية بريئة تمامًا. فملايين الدولارات التي تُنفق على بناء استوديوهات، وأجهزة بث، واشتراكات في أقمار صناعية واجور عاملين وفنيين لا تُدفع من أجل الحقيقة وحدها؛ فالحقيقة...
ابراهيم البهرزي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram