TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > تحديثات للعقول لابد منها

تحديثات للعقول لابد منها

نشر في: 9 ديسمبر, 2012: 08:00 م

في زمن التكنولوجيا وتطور المعلومات، التي باتت تحيط حياتنا بكل جوانبها، صرنا نسمع كثيراً بكلمة "تحديث" وهو ما يعني تطوير البرامج، وإضافة كل جديد من شأنه، المساهمة في زيادة فعاليتها .

لكن ماذا لو طبقنا هذه المسألة على عقولنا، وحدثناها بما يلائم عصرنا، والقيم المضافة لمجتمعاتنا، من غير المساس بما تختزنه هذه العقول، من قيم أصيلة وأفكار خلاقة، هي نتاج خبرتنا في الحياة وتجاربنا التي مررنا بها، وهذا التحديث ضروري ومهم جدا؛ لكي نستطيع مواكبة الأحداث التي يمر بها العالم من حولنا، ونحن نقف مكتوفي الأيدي، لأننا نرفض القيام بهذا التحديث، الذي صار خطوة مهمة لابد من قيامنا بها واعترافنا بحاجتنا لها.  والتحديث هذا لو تم سيجعلنا نرى الأشياء بمنطق صحيح غير مغالٍ به، لا يتسم بالجمود الذي يكتنف أغلب الأفكار التي تسيطر علينا، ولو طبقنا هذه الفكرة على الحريات الفردية مثلا لعالجنا مشاكل جمة نعانيها، وتعيق مسيرة حياتنا وتطورنا، فلو اقتنعنا بأننا أحرار في اختيار نهج خاص لحياتنا ، من غير أن يتعارض هذا النهج مع الصالح العام، وإن أفكارنا هي نتاج لخبرتنا، لا نحاسب أو لا يملك الآخرون محاسبتنا عليها بأي حال من الأحوال، لاختفى الكثير من الأمور التي نعانيها، مثل الطائفية وقمع الرأي ومحاربة الفكر الذي يتعارض مع أفكارنا، وأننا كل بأفكاره ومعتقداته يكمل بعضنا البعض، ونفيد بعضنا الآخر، في جوانب عديدة ومختلفة. ولا مشكلة في أن يملك الآخرون أفكارا مختلفة، نستمع لها وقد تعزز ما نملكه من خزين فكري، أو تطوره، من غير أن نعادي الآخرين الذين يحملونها أو نصادر حريتهم، لمجرد أنها تختلف عن أفكارنا. تخيلوا لو طبقنا هذا كيف سيصبح مجتمعنا. وكيف سيختفى الكثير من الأمور التي نعانيها جميعا  ؛ من سيطرة الرأي الواحد، ومصادرة حرية الآخرين، وإنكار أحقيتهم في ممارستها. إلا أن الملامة تقع أيضا على الجهل المستفحل، وقصور الوعي والإدراك الاجتماعي الجماعي، وتحجر الفكر وتصلبه، في مجتمع يسوده الجهل، ويعوزه الفكر التعددي، ويغيب عنه الإيمان بالتنوع، الذي تهيمن عليه الانتماءات الطائفية، والمذهبية، والحزبية، وتكتسي الآراء الفردية حلة القداسة، فلا أحد يجرؤ على تناولها بالنقد أو التشكيك بصحتها.

قبل التعرض إلى سبيلٍ للخروج من هذا الاعتلال الفكري والاجتماعي، والسياسي على رأس القائمة، علينا الاعتراف، أولاً، بأن مبدأ احتكار امتلاك الحق هو آفةٌ اجتماعية وفكرية خطيرةٌ. يتوجب علينا الإقرار بأن لا إنسان على الكرة الأرضية، ولا حتى جماعةً بحد ذاتها تمتلك مفتاح الحق والحقيقة. وعليه،  فلا يوجد فرد أو جماعة تمتلك حق فرض مبادئها وأفكارها على الآخرين، واصمةً إياهم بالغباء إن اعتدلوا، وبعار خيانة مبادئها أو عقيدتها، إن أخذتها الحميّة الجاهلية وصولاً إلى رميهم بالكفر، إن غالت؛ ولم ينصاعوا لإرادتها تلك، المنزهة عن العيب بحسب رأي زعيمها السديد بالطبع!

آن لنا أن نتخلى عن ثقافة الإرهاب الفكري، والابتعاد عن تعميم مبدأ سيادة الرأي الواحد، ونبذ إطلاق الأحكام الجزافية والمتطرفة على الآخرين، وعدم تنفيذ عقوبات نفترض صحتها باطلاً وإن امتلكنا أسباب تطبيقها! فلا ثقافة تُفرض على أتباع ينصاعون ويفترض بهم فقط الامتثال والطاعة، بل آراء تُطرح للنقاش والحوار.

والخلاصة، إن حرية الرأي حقٌ لجميع فئات المجتمع، وخاصة في مجتمع متنوع كمجتمعنا، وليس لفئة دون غيرها. الحرية تبدأ من الانفتاح على الآخر، وتقبّله كما هو أولاً، قبل الإسراع إلى فرض آرائنا عليه بالقوة. إنها حرية الفكر وانعتاقه، قبل حرية الأفعال والأعمال. إنها ثقافةٌ علينا نشرها منذ نعومة الأظفار لتتحول إلى ممارسةٍ ينعم بها جميع أفراد المجتمع.

تطويرنا أفكارنا ومعتقداتنا، ليس رفاهية، بل هو ضرورة نحتاج إليها بشدة، لنواكب مسيرة الحياة. وقيل كثيرا بأن الشخص المثقف، ليس هو الذي قرأ أكثر عددا من الكتب، واختزن الكم الأكبر من المعلومات، بل هو الشخص الذي استوعب ما تحتويه هذه الكتب، واستطاع الاستفادة منها في تطوير فكره وعقله، والشخص المثقف هو الذي  يدرك أن الإنسان معرض للخطأ ولارتكاب الهفوات، وليس إلهاً، ويجب محاسبته، وحتى معاقبته إذا أساء للصالح العام، يتقبل الآخر  بفكره ومعتقداته الخاصة، التي قد لا تتفق معه، لكنه يتقبلها ويتعايش مع أشخاص، وبيئات قد تختلف عن بيئته وأفكاره، ولو طبقنا قولنا هذا على عالم السياسة، ما زال هناك من يعيش في جلباب الماضي، أو في غياهب الجب، عن كل ما جرى حوله - سواء في داخل الوطن أو خارجه - من نسمات الحرية، والتوجه نحو التغيير والتطوير. فأربعة عقود من المديح والمجاملة والنفاق، ترسخت كثقافة عامة، من الصعب محوها، من عقل كل مسؤول بسهولة، ناهيك عن أننا بشكل عام لم نتربّ على قبول ثقافة النقد، والقول للمخطئ أنت مخطئ، وهذا خطأك في الأداء يا مسؤول، لهذا هم يتحسسون إن قرأوا أو سمعوا كلاماً عكس ما تعودوا سماعه، لقد اعتادوا على المديح والإشادة حتى لو كانت الأخطاء واضحة وضوح الشمس، فالمسؤول أو الحاكم هو هو، ولكي تتغير أحوالنا بشكل كبير، علينا أن نطوّع أفكارنا.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

العمود الثامن: براءة نور وتابعه هيثم !!

العمود الثامن: نشيد عالية وأخواتها!!

الذين يتمسحون بأذيال السيستاني

العمود الثامن: ألف حزب وحزب

العمود الثامن: من أين لك هذا ؟

العمود الثامن: في محبة المرأة

 علي حسين أصبح العالم اليوم مسكونًا بشيء اسمه المرأة، فلم يعد من الممكن تشكيل برلمان أو حكومة في أي بقعة من العالم من دون النساء، ذهب العصر الذي كانت تشكو فيه سيمون دو...
علي حسين

قناديل: اليسار الجديد: أصولية عابثة وعُصابٌ جمعي

 لطفية الدليمي تتكرّرُ على مسامعنا كثيراً عبارةٌ قالها (غوبلز) وزير الدعاية النازية: كلّما سمعتُ كلمة (الثقافة) تحسّستُ مسدّسي. اليوم صار كثير ٌ منا يتحسّسُ رائحة أزمة عالمية النطاق كلّما سمع مفردة (الجديد) ملحقةً...
لطفية الدليمي

قناطر: مسلسل معاوية... جرُّ القناعات الى مسلخ الأوهام

طالب عبد العزيز مع أنَّ كلَّ تعريف للتأريخ يرجع الى وجوب توافر الوثيقة، إذْ لا تأريخ بدون وثيقة، إذْ أنه الأحداث والوقائع التي تقدّمها لنا الوثائق والمصادر، كما تعرف كلمة 'التاريخ' في اللغة العربية...
طالب عبد العزيز

جامعة بغداد، منارة العلم والمعرفة في قلب العراق

محمد الربيعي جامعة بغداد صرح علمي شامخ، واحد ابرز منارات المعرفة في العراق والعالم العربي. تاسست عام 1957، لكن جذورها تمتد الى بدايات القرن العشرين مع تاسيس كليات الحقوق والطب والهندسة. لعبت الجامعة دورا...
د. محمد الربيعي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram