TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > الأسلمة السياسية في العراق: رؤية نفسية للتحولات بعد 2003

الأسلمة السياسية في العراق: رؤية نفسية للتحولات بعد 2003

نشر في: 27 يناير, 2025: 12:01 ص

أحمد حسن

إن كتاب "الأسلمة السياسية في العراق: رؤية نفسية" الذي يبحث في التحولات الاجتماعية والدينية في العراق، للباحث فارس كمال نظمي، والصادر عن دار المدى، يُعدّ من أندر الأعمال التي تُعنى بكشف تلك الظاهرة التي تكتنف السياسة والدين في العراق. هو ليس مجرد سرد للوقائع، بل هو استقصاء عميق يلامس أبعاد النفس البشرية في محيطها الاجتماعي والسياسي، حيث يأخذنا نظمي في رحلة لا تُختزل إلا إلى فهم تلك الديناميكيات المعقدة التي خُلِقت بفعل التغيرات الكبرى التي مر بها المجتمع العراقي بعد سنة 2003.
من حيث الأسلوب، يأتي الكتاب محاكياً لما ذهب إليه ديكارت، إذ يبدأ من نقطة الشك ويَخضع للمقاربة العقلانية في تفكيك الظاهرة، ليغرقنا في تلك "الشكوك" التي يُحيطها الواقع الاجتماعي العراقي. وهو بذلك يُجسد مفهوم "الشكوكية" من خلال البحث في أبعاد النفس الجماعية، بعيداً عن التنظير المجرّد الذي قد يزخرف الحقائق. وبذا، يتمكن نظمي من تحليل الإسلام السياسي لا على أنه ظاهرة اجتماعية دينية فحسب، بل كأداة نفسية استخدمها القابضون على زمام السلطة لتشكيل هويات الأفراد والجماعات بطرق ممنهجة.
نظمي، في تحليله، يُظهر لنا كيف أن الدين في العراق قد سُوِّق كسلعة تستخدم كأداة للهيمنة والاحتكار، مثلما قد استخدم الجاحظ الكلمةَ وسيلةً للهيمنة الثقافية على المخاطب. فيصبح التدين عمليةً تُضخّم فيها الرموز الدينية، فتكتسب قيمة تفوق معانيها الحقيقية. يُظهر هذا العمل أن الأسلمة السياسية ما هي إلا إعادة تشكيل للهوية الجماعية في ظل غياب المعايير الأخلاقية التي تحكم القيم.
كما يبرز نظمي بوضوح كيف أن هذه الرموز الدينية تمَّ توظيفها لتكوين خطاب سياسي جديد، وقد نرى هنا تأثيرات ماكس فيبر في تقديم الدين كآلية للسلطة، على الرغم من أن فيبر ذهب إلى تحليل علاقات الدين مع الرأسمالية بينما يذهب نظمي إلى فهم تأثير الدين في الهيمنة السياسية. يضيف نظمي إلى ذلك أن الأنظمة الاستبدادية التي حكمت العراق، وفي مقدمتها "العلمانية الاستبدادية"، عملت على تكريس الانفصام بين الدين والسياسة، فاستُخدم الدين في هذه الأنظمة كأداة لقمع القوى الشعبية، تاركة فراغاً خطيراً في الهوية والذاكرة الجماعية، وهو ما سيستغله الإسلام السياسي لملء هذا الفراغ.
لكن هنا تكمن الفكرة التي يتفق فيها مع نظرية غرامشي حول الهيمنة الثقافية، إذ يتم فرض السيطرة ليس بالقوة فحسب، بل أيضاً من خلال تصدير القيم التي تعكس مصالح السلطة الحاكمة. يُعيد نظمي صياغة الهوية الوطنية التي دُست فيها هويات طائفية ضيقة، وكأنما فُصّلت لتكون الأقوى من هوية الأمة الكبرى. إن إبداعات نظمي في تناول الرمزية، مثل "العمامة" و"اليشماغ"، تجعلنا نتساءل: هل أصبحت هذه الرموز السياسية أكثر قوة من الهوية الوطنية ذاتها؟
وفي المحصلة، يبني نظمي حجته الفلسفية قبل النفسية على تلك التداخلات بين الدين والسياسة، ويقودنا في تحليل يعيد إلى الأذهان ما قاله إميل دوركايم: "إن المجتمع هو الذي يصنع الأفراد، ولكن الأفراد هم من يعيدون بناء المجتمع". فالأفكار الدينية في العراق لا تُنتج فقط سلوكيات اجتماعية، بل تُحيل الأفراد إلى وجود سياسي جديد تتشكل فيه هوياتهم وفقاً للأنماط التي يرسمها الإسلام السياسي.
في كتابه، يعرض فارس كمال نظمي لنا أزمة العراق المعاصرة، مستعينًا بمنهجية فلسفية عميقة وبلغة محكمة، تشبه إلى حد بعيد ما كان يطرحه ميشيل فوكو في تحليلاته حول السلطة والمعرفة. كما يظهر في هذه الدراسة، إن نظمي يبني تصورًا حادًا حول "الأسلمة السياسية"، ويمثلها لا كظاهرة سياسية فحسب، بل كحالة نفسية واجتماعية تتغلغل في الأذهان والقلوب وتعيد تشكيل الوعي الجمعي للأفراد. فكما كان فوكو يربط بين السلطة والمجتمع من منظور نقدي تحليلي، يُبرز نظمي صورة الدين السياسي كأداة لإعادة الهيمنة على المجتمع وتوجيهه وفقًا للغرائز البشرية المظلمة.
في هذا السياق، يمكن إعمال التحليل النفسي الذي قدمه فرويد في فهم الدين كآلية لتفريغ التوترات النفسية الجماعية. فوفقًا لفرويد، يمكن أن يُنظر إلى الدين كـ "هروب جماعي" من واقع محبط، حيث ينسحب الفرد إلى عالم من الرموز الدينية التي توفر له نوعًا من الطمأنينة الوهمية، وتخدم السلطة في توجيه الجماهير نحو استقرار مزيّف. وهذا بالضبط ما يلتقطه نظمي، حين يظهر كيف يستخدم الإسلام السياسي الدين كأداة لتهدئة الأزمات النفسية والاجتماعية التي تترسخ في الوعي الجمعي للمجتمع العراقي، مع تمكين النخب من استثمار هذه الفوضى الاجتماعية لصالحها.
بالإضافةً إلى ذلك، يمكن الإشارة إلى أفكار كارل يونغ التي تتعلق بمفهوم "الظل" في النفس البشرية، حيث يعتقد يونغ أن الأفراد والمجتمعات غالبًا ما يتجنبون مواجهة الجوانب المظلمة من طبيعتهم. في الحالة العراقية، يبدو أن المجتمع قد دفع جزءًا من هويته إلى "الظل"، مُصِرًّا على تجنب الاعتراف بالصراعات الطائفية والاختلافات العميقة بين مكوناته. يأتي الإسلام السياسي ليعيد إخراج هذه المكونات إلى السطح، ما يعيد تشكيل الهوية الوطنية العراقية حول الدين والطائفة، مُمارسًا ما يُشبه "الإفراج" عن القوى غير المرئية التي كانت مكبوتة تحت هيمنة النظام السابق.
من جهة أخرى، نجد أن إريك فروم في تحليله للعلاقات الاجتماعية والدينية يؤكد أن السلطة غالبًا ما تنمو على حساب الاستلاب الشخصي والجماعي، وهو ما ينطبق على التحولات التي شهدها العراق بعد سقوط النظام البعثي. فرغم أن الأفراد في المجتمع العراقي قد يبدون محبطين أو مهزومين، إلا أن التكيف مع الدين السياسي كان بمثابة طريقة لإعادة بناء الذات على أسس زائفة. هذه المعركة النفسية بين الفرد والسلطة تتجسد في فكر نظمي كتحول اجتماعي وديني، يرسّخ الاستلاب ويخلق نوعًا من التبعية العقلية التي تُعيد تكييف الأفراد مع النظام الجديد، تحت ستار الدين.
ولعل من أبرز النقاط التي يستعرضها نظمي، هي قضية المرأة في خطاب الإسلام السياسي، حيث تتحول المرأة إلى رمز للأيديولوجيا السائدة التي تكرس الهيمنة الذكورية. وفي هذا المجال، يوازي نظمي بين تحليلاته وتصورات ماركس وفرويد، حيث يرى أن هذه الأيديولوجيا السياسية لا تقتصر على السياسة، بل تتعداها إلى العقل الجمعي والذاكرة الثقافية للمجتمع، وبالتالي تظل المرأة فاعلاً محوريًا في تثبيت تلك الهيمنة. وهكذا، تتحول المرأة إلى رمز للهوية الوطنية والثقافية، غير قادرة على التحرر من تلك القيود التي فرضها عليها المجتمع، مثلما كانت تجربة النساء في المجتمعات القديمة.
كما يتطرق نظمي إلى علاقة الإسلام السياسي باليسار العربي، ويجد أن العراق يمثل حالة نموذجية لهذا الصراع القائم على إرث من الهيمنة الاستبدادية التي جعلت من الدين أداة للصراع على السلطة. ومن خلال هذه العلاقة، يقدم نظمي دعوة لإعادة بناء الوعي الجمعي، بعيدًا عن الهيمنة السياسية والدينية، داعيًا إلى تحرير الفرد من قيود القمع التي أضرت بالعقل العراقي.
لكن، كما يضع ديكارت، لا بد من الشك في كل شيء للوصول إلى الحقيقة. فهذه الأيديولوجيات، بحسب نظمي، ليست ثابتة بل تتغير وتتحور. إنها متغيرات نفسية واجتماعية تفرض نفسها على الواقع، لكن العقل البشري قادر على التحليل والتفكير النقدي لتجاوز تلك العوائق وإيجاد المسار نحو الخلاص.
في محاولته الإجابة عن الأسئلة الكبرى حول الدين والسياسة في العراق، يطرح نظمي قضية الهوية العراقية وكيف يمكن أن تتعافى من هذا الهيكل الديني السياسي المعقد. وبذلك، يتناول الكتاب مفاهيم الفكر السياسي الكلاسيكي ولكنه يطبقها على الحالة العراقية، مقدماً تحليلًا جديدًا يوازي الفلسفات النقدية لمفكري العصور الإسلامية الكلاسيكية مثل الجاحظ وأبو بكر الرازي، وصولاً إلى مفكري النهضة في الغرب مثل ديكارت، بالإضافة إلى مفكري الاجتماع في القرنين الثامن والتاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين في أوروبا وامريكا.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: ضد واشنطن .. مع واشنطن

العمود الثامن: أين اختفى البرلمان؟

 علي حسين يمكن القول وبثقة كبيرة أن مجلس النواب قد فقد ثقة معظم العراقيين ، بعد أن أدار ظهره للاحداث الخطيرة التي تمر بها البلاد ، وقرر بقيادة الشيخ هيبت الحلبوسي تأجيل جلساته...
علي حسين

باليت المدى: أعظم هدية في العالم

 ستار كاووش أعظم هدية يمكن أن نحصل عليها أو نمنحها هي أن نُتقاسم شيئاً جميلاً مع من نحب، شيئاً قريباً من القلب، حتى وأن كان بشكل رمزي. وعندما نُبادر بإعطاء هدية لشخص نحبه،...
ستار كاووش

خيارات تطور المجابهة الامريكية- الإسرائيلية مع إيران وتداعياتها

د. فالح الحمـراني يرسم المراقبون المهتمون في قضايا الشرق في موسكو احتمالين لتداعيات الضربات الامريكية – الإسرائيلية الجديدة في ايران يتمحور الأول على إن المنطقة أقتربت خطوات وليست خطوة نحو حرب شاملة وكارثية، وقد...
د. فالح الحمراني

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

محمد الربيعي ( 2-2 ) أمثلة صارخة على الفساد الأكاديمي الممنهج: تجارة الأطاريح والبحوث (الاقتصاد الأسود للمعرفة): انتشرت مكاتب علنية وسرية في محيط الجامعات تقوم بكتابة رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه مقابل مبالغ مالية معلومة....
د. محمد الربيعي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram