TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > تفاقم المركزية المفرطة في الاجراءات وتأثيرها على الجامعات العراقية

تفاقم المركزية المفرطة في الاجراءات وتأثيرها على الجامعات العراقية

نشر في: 16 فبراير, 2025: 12:01 ص

محمد الربيعي

منذ سنوات عديدة، يشهد قطاع التعليم الجامعي في العراق تفاقما مطردا في مركزية الاجراءات، مما ادى الى تجريد الجامعات من صلاحياتها، فلم يعد لها اي دور ذي اهمية الا بتدخل من الوزير او الوزارة نفسها. هذا الوضع اثّر سلبا على اداء الجامعات وكفاءتها، واعاق تطورها ونموها. واشهد يوما بعد يوم كيف تكبل الاجراءات البيروقراطية والتعليمات المتكررة طاقات الاكاديميين. فمتى ستثق الوزارة في قدرة الجامعات على تسيير شؤونها التعليمية، وتمنحها الحرية اللازمة للتركيز على بناء جيل المستقبل؟ ومتى ستتوقف الوزارة عن فرض سيطرتها على الجامعات بتعليماتها واوامرها في كل صغيرة وكبيرة، وتتركها تؤدي مهامها الاساسية في التعليم؟ لقد ارهقت كثرة التعليمات التي تصدر من قبل الوزير ودوائر الوزارة العميد ورئيس القسم والتدريسي، حتى باتوا غارقين في هموم ما تصدره الوزارة وما لا تصدره، مما شل قدرتهم على التفكير الاداري الفعال.
مظاهر المركزية المفرطة في الاجراءات
تتجلى هذه المركزية المفرطة في العديد من المظاهر، منها:
- اخضاع العملية التعليمية، بما في ذلك الامتحانات وتقييم الطلاب لضغوط غير اكاديمية، مثل منح درجات اضافية بشكل تعسفي يتعارض مع المعايير الاكاديمية، مما يقوض مصداقية العملية التعليمية.
- التحكم الكامل من قبل الوزارة في المناهج الدراسية: حيث تقوم الوزارة بتحديد المناهج الدراسية وتوزيعها على الجامعات من دون الاخذ بالنظر ما يتناسب مع احتياجات هذه الجامعات وظروفها المحلية او علاقاتها العربية والعالمية.
- تعيين القيادات الجامعية من قبل الوزارة: حيث يتم تعيين رؤساء الجامعات وعمداء الكليات من قبل الوزارة، مما يقلل من استقلالية الجامعات ويجعلها تابعة للوزارة بشكل كامل.
- الرقابة الشديدة على الانشطة العلمية والثقافية: حيث تخضع جميع الانشطة العلمية والثقافية التي تنظمها الجامعات لرقابة شديدة من قبل الوزير والوزارة وتدخلها بكل صغيرة وكبيرة، مما يحد من حرية التعبير والابداع لدى الطلاب والاساتذة.
- القيود المالية: حيث تعاني الجامعات من قيود مالية شديدة، حيث يتم تحديد ميزانيتها من قبل الوزارة، ولا تستطيع الجامعات التصرف في هذه الميزانية الا بموافقة الوزارة.
اثار المركزية المفرطة على الجامعات
تترتب على هذه المركزية المفرطة العديد من الاثار السلبية على الجامعات، منها:
- تراجع مستوى التعليم: حيث يؤدي التحكم الكامل من قبل الوزارة في المناهج الدراسية الى تراجع مستوى التعليم، حيث لا يتم تحديث المناهج بما يتناسب مع التطورات العلمية والتكنولوجية.
- اعاقة البحث العلمي: حيث تحد القيود المفروضة على الانشطة العلمية والثقافية وعدم توفر الاموال اللازمة من قدرة الجامعات على اجراء البحوث العلمية، مما يؤثر على تطور البحث العلمي في العراق ويزيد من السرقات العلمية.
- تدهور الاداء الاداري: حيث يؤدي تعيين القيادات الجامعية من قبل الوزارة الى تدهور الاداء الاداري في الجامعات، حيث لا يتم اختيار القيادات على اساس الكفاءة والخبرة، بل على اساس الولاء السياسي.
- فقدان الثقة في الجامعات: حيث يؤدي تراجع مستوى التعليم وتدهور الاداء الاداري الى فقدان الثقة في الجامعات العراقية من قبل الطلاب واولياء الامور والمجتمع بشكل عام.
- عندما تقوم الوزارة بتغيير درجات الطلاب بشكل غير عادل، فأن ذلك يدمر مصداقية نظام الامتحانات ويجعل الطلاب يعتمدون بشكل متزايد على تدخل الوزارة بطرق غير قانونية. وعندما يمنع الوزير اقامة الماراثونات المختلطة في الجامعات، فأنه يستولي على حق رئيس الجامعة في ادارة النشاط الرياضي في جامعته.
الحلول المقترحة
للتغلب على هذه المشكلة، يجب على وزارة التعليم العالي العراقية اتخاذ عدة اجراءات، منها:
- منح الجامعات المزيد من الاستقلالية: يجب على الوزارة منح الجامعات المزيد من اللامركزية في اتخاذ القرارات المتعلقة بالمناهج الدراسية والانشطة العلمية والثقافية، وكذلك في تعيين القيادات الجامعية.
- تطوير الاداء الاداري: يجب على الوزارة العمل على تطوير الاداء الاداري في الجامعات من خلال تدريب رؤساء الجامعات والعمداء ورؤساء الاقسام والشعب وتطبيق اساليب الادارة الحديثة.
- زيادة الدعم المالي: يجب على الحكومة زيادة الدعم المالي للجامعات، حتى تتمكن من تطوير بنيتها التحتية واجراء البحوث العلمية الرصينة والهادفة لخدمة المجتمع.
- التوقف عن اصدار التعليمات والقرارات خارج اطار هيئة الرأي والامتناع عن التدخل في النتائج الامتحانية للطلبة.
خاتمة
ان تفاقم المركزية المفرطة في الاجراءات ادى الى تدهور مستوى التعليم الجامعي وتراجع كفاءة الجامعات العراقية. لذا، يجب على وزارة التعليم العالي العراقية ان تتخذ اجراءات جادة لمنح الجامعات المزيد من اللامركزية والمرونة في اتخاذ القرارات وتنفيذها، وان تثق في قدرتها على تسيير شؤونها التعليمية والادارية. فبدون هذه المرونة، لن تتمكن الجامعات من تحقيق اهدافها في خدمة المجتمع وتخريج اجيال قادرة على مواجهة تحديات المستقبل.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 3

  1. مهند الهلال

    منذ 11 شهور

    احسنتم جناب الدكتور لايختلف اثنان على ان الفترة الحالية تعد هي الاحلك في تاريخ التعليم العالي للاسباب التي ذكرتم ولابد من وقفة للتغيير قبل فوات الاوان

  2. الاستاذ الدكتور وليد الحيالي

    منذ 11 شهور

    تشخيص مهم لإحدى مشاكل التعليم العالي في العراق مما يتطلب دراسة الأمر بشكل جدي

  3. بشير حمزة كاظم

    منذ 11 شهور

    أثني على هذا المقال العلمي الموزون و الذي يشخص مشكلات التعليم العالي في العراق و طرق الارتقاء فيها لخلق جيل جديد يبحث عن التطور و التقدم وليس جيل يجتر المعلومات كما الببغاوات

يحدث الآن

القضاء الأعلى: معتقلو داعش تحت سلطة القضاء العراقي

التجارة: 1000 دينار فقط بدل الحصة التموينية وتوزيع الطحين كاملاً

أكثر من 8 ملايين طفل في السودان محرومون من التعليم بسبب الحرب

التخطيط: تسجيل أكثر من 4 ملايين موظف ضمن مشروع «البنك الوظيفي»

ارتفاع النفط مع تراجع مخاوف الحرب التجارية

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: راتب عالية وتقاعد لؤلؤة

إستعادة المعنى المُغيَّب للبحث العلمي

العمود الثامن: انقلاب الفتلاوي

العمود الثامن: لماذا تزعجهم بغداد؟

العمود الثامن: الصيهود قبل وبعد.. وبعد

العمود الثامن: مئوية سليم البصري ومحنتنا

 علي حسين في كل مرة وأنا أشاهد السباق اللاهث من مسلسلات درامية مضحكة وساذجة في نفس الوقت ، أتذكر الرجل النحيل بكتفيه الهزيلتين وهو يطل من الشاشة الصغيرة بلا فذلكات ولا خطب ،...
علي حسين

كلاكيت: إنها القاصة بثينة الناصري

 علاء المفرجي لا أريد أن اتحدث عن (إشكالية) المرأة في السينما، وهنا أقول إشكالية لأننا بالضبط لا نعرف ما مناسبة الحديث عن سينما المرأة أو المرأة في السينما، ولا ندري أيضًا، هل ذلك...
علاء المفرجي

هل يمكن للثقافة أن تنهض في ظل الطائفية؟

جورج منصور إن سؤال الثقافة في العراق لا ينتمي إلى فضاء التنظير المجرد ولا إلى رفاه النقاشات المغلقة، ولا يقتصر على همّ جمالي أو نخبوية معزولة، بل يتخذ بعداً وجودياً ومصيرياً، يتشابك مع السياسة...
جورج منصور

الإسلام السياسي.. خسارة السّياسة والدِّين أيضاً

رشيد الخيون أخذ الإسلام السّياسي، في أكثر مِن بلاد، وقته ودوره في السُّلطة، بعد تقديم شعاراته في المعارضة، أنه سيحقق العدل الإلهيّ على الأرض، ويثبّت الدِّين في قلوب الزائغين، لكن لو حقق العدالة، مثلما...
رشيد الخيون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram