TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > عندما يكون القضاء العالي ملاذك الاخير

عندما يكون القضاء العالي ملاذك الاخير

نشر في: 16 فبراير, 2025: 12:02 ص

هادي عزيز علي

السلطة القضائية الضامن الاساس لوصول الحقوق الى اصحابها كما انها القادرة على تفعيل انظمة المساءلة والرقابة وان ادراك هذه الاهداف لا يتم الا من خلال عنصرين اولهما سيادة القانون بمفهومه العام اي خضوع الاشخاص كافة بما في ذلك السلطات العامة لحكم القانون والعنصرالثاني وجود قضاء مستقل ومحاكم تتوفر لها الصلاحيات المطلوبة لكي تسهر على حماية القانون واحترامه وانفاذه. القول باستقلال القضاء لا يقصد به ميزة تضاف الى هيبة القضاء ووقاره وانما هو حق من حقوق الانسان تضمنته دساتير الدنيا بمرجعيته التي تعود للاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي ينص على: (ان يحاكم الانسان امام محكمة مستقلة عادلة). القضاء العالي (الدستوري) معني بالحماية الدستورية للحقوق والحريات كونها تعد من اهم الدعائم الدستورية للقانون. لكن القانون يفقد دستوريته اذا بنيت احكامه فيما يخالف ذلك والمواطن وحده من يتحمل الاثار السلبية لذلك. وتجسيدا لهذا الفهم نورد حكما قضائيا لمجلس الدولة الفرنسي الذي احدث هزة ليس في فرنسا وحدها بل في اوربا والعالم اجمع.
خلاصته: في بداية ستينات القرن الماضي كانت الثورة الجزائرية على ذروتها اذ كانت تشكل مأزقا ثقيلا للسلطات الفرنسية وكانت السلطات تبحث في كل السبل الممكنة للمواجهة فأقترح الجنرال ديغول على مجلس الدولة مشروع قانون استفتائي يضمن له كرئيس للجمهورية انشاء محكمة عسكرية استثنائية خاصة لمحاكمة مرتكبي بعض اعمال الشغب ضد القوات الفرنسية وغيرها التي تحدث في الجزائر. الجنرال اذن يطلب صلاحيات تشريعية اضافة لصلاحياته الاخرى، طلب الجنرال هذا يحيلنا الى قول مونتسكيو في مؤلفه الشهير (روح الشرائع): (اذا اجتمعت في قبضة يد واحدة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، انعدمت الحرية). عليه فان مجلس الدولة وامام هذا المقترح ابدى رأيه مقترحا عدم الموافقة على السير في هذا المشروع اصدرقراره بعدم السير في هذا المشروع لعدم دستوريته وقانونيته فضلا عن كونه غير ملائم للظروف السياسية التي تمر بها فرنسا حينئذ.
مقترح مجلس شورى الدولة هذا لم يخطب ود الجنرال ديغول وعده تدخلا من المجلس في الشأن السياسي والسياسة تقع خارج نطاق صلاحيات المجلس، ويرى ان اعضاء المجلس معينين من قبل الحكومة فكل واحد منهم موظف لدى الحكومة ومن ثم فان قضاته هم مجرد موظفين، ويرى الجنرال ان مقترحه هذا يندرج ضمن حقه في المجال الاستشاري هذا الانطباع دفعه الى المضي في مشروعه اذ ذهب بمشروعه الى الاستفتاء وقد تم الاستفتاء فعلا الذي ايده الشعب الفرنسي حينئذ وفي ضوء نتيجة الاستفتاء كان له ما اراد اذ اصدر مرسوما اشتراعيا - على وفق احكام صلاحياته حسبما يظن – تم بموجبه انشاء محكمة عسكرية مهمتها محاكمة بعض مرتكبي اعمال الشغب وغيرها من الاعمال، وقد انشأت المحكمة العسكرية فعلا بتاريخ الاول من شهر ايلول استنادا لذلك المرسوم 1962.
باشرت المحكمة اعمالها، ومن بواكير تلك الاعمال قضية السيد (كانال) وجماعته التي احيلت الى المحكمة لارتكابهم افعالا تدخل ضمن نطاق صلاحيات المحكمة المذكورة وتم اجراءات المحاكمة على وفق ماهو معروف في المحاكم الاستثنائية الخاصة التي تتمتع بصلاحيات لا يعرفها القضاء العادي اذ عادة ما تتسم بالعجلة بغية الوصول سريعا الى نتيجة الحكم وفعلا كان له ذلك اذ اصدرت المحكمة حكمها المؤرخ في 17 أيلول 1962 القاضي باعدام السيد (كانال) وجماعته وتم تحديد يوم 20 أيلول 1962 موعدا لتنفيذ الحكم وهنا يلاحظ هنا المدة الزمنية الوجيزة جدا منذ تاريخ اصدار المرسوم الاشتراعي فتشكيل المحكمة واجراء المحاكمة فصدور الحكم والمدة المحددة لتنفيذه.
طعن السيد (كانال) وجماعته بالمرسوم الاشتراعي لدى مجلس الدولة – ضمن المدة القانونية – على اعتبار ان رئيس الجمهورية لا يملك الصلاحيات المطلوبة لاصدار التشريعات وعليه يكون صدور مرسومه خارج نطاق صلاحياته كونه فاقد لتلك الصلاحية. وضع مجلس الطعن موضع التدقيق والمداولة بين اعضائه ووضعوا دستور الجمهورية الرابعة امامهم واطلعوا على الصلاحيات الممنوحة لرئيس الجمهورية من الوجهة القانونية والدستورية فضلا عن الصلاحيات الممنوحة لمجلس الدولة - باعتباره محكمة دستورية عليا - اذ اصدر حكمه الشهير بتاريخ 19 أيلول١٩٦٢المتضمن ابطال المرسوم الاشتراعي الصادر عن رئيس الجمهورية المطعون به لعدم دسوريته، المفارقة ان حكم ابطال المرسوم الصادرعن مجلس الدولة صدر عشية الموعد المفترض لتنفيذ حكم الاعدام اذ رحلهم حكم مجلس الدولة الى رحاب الحرية بدلا من غياهب الموت. الجنرال ديغول بحجمه السياسي والنضالي وبكل احترام وطاعة انحنى للحكم من حيث الالتزام والتنفيذ.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

القضاء الأعلى: معتقلو داعش تحت سلطة القضاء العراقي

التجارة: 1000 دينار فقط بدل الحصة التموينية وتوزيع الطحين كاملاً

أكثر من 8 ملايين طفل في السودان محرومون من التعليم بسبب الحرب

التخطيط: تسجيل أكثر من 4 ملايين موظف ضمن مشروع «البنك الوظيفي»

ارتفاع النفط مع تراجع مخاوف الحرب التجارية

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: راتب عالية وتقاعد لؤلؤة

إستعادة المعنى المُغيَّب للبحث العلمي

العمود الثامن: انقلاب الفتلاوي

العمود الثامن: لماذا تزعجهم بغداد؟

العمود الثامن: الصيهود قبل وبعد.. وبعد

العمود الثامن: مئوية سليم البصري ومحنتنا

 علي حسين في كل مرة وأنا أشاهد السباق اللاهث من مسلسلات درامية مضحكة وساذجة في نفس الوقت ، أتذكر الرجل النحيل بكتفيه الهزيلتين وهو يطل من الشاشة الصغيرة بلا فذلكات ولا خطب ،...
علي حسين

كلاكيت: إنها القاصة بثينة الناصري

 علاء المفرجي لا أريد أن اتحدث عن (إشكالية) المرأة في السينما، وهنا أقول إشكالية لأننا بالضبط لا نعرف ما مناسبة الحديث عن سينما المرأة أو المرأة في السينما، ولا ندري أيضًا، هل ذلك...
علاء المفرجي

هل يمكن للثقافة أن تنهض في ظل الطائفية؟

جورج منصور إن سؤال الثقافة في العراق لا ينتمي إلى فضاء التنظير المجرد ولا إلى رفاه النقاشات المغلقة، ولا يقتصر على همّ جمالي أو نخبوية معزولة، بل يتخذ بعداً وجودياً ومصيرياً، يتشابك مع السياسة...
جورج منصور

الإسلام السياسي.. خسارة السّياسة والدِّين أيضاً

رشيد الخيون أخذ الإسلام السّياسي، في أكثر مِن بلاد، وقته ودوره في السُّلطة، بعد تقديم شعاراته في المعارضة، أنه سيحقق العدل الإلهيّ على الأرض، ويثبّت الدِّين في قلوب الزائغين، لكن لو حقق العدالة، مثلما...
رشيد الخيون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram