TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > العمود الثامن: حسقيل يرثي حالنا

العمود الثامن: حسقيل يرثي حالنا

نشر في: 19 فبراير, 2025: 12:05 ص

 علي حسين

عندما تشاهد على شاشات التلفزيون، ما يقوله بعض خبراء الاقتصاد عن المبالغ "المليارية" التي تصرف على راحة السياسيين والنواب ومقاولاتهم ، ماذا يخطر ببالك؟ لا ادري، أما انا فيخطر لي ان ارفع برقية اعجاب وتقدير لهذه النفوس التي لا تريد ان يغادرها الحنين الى "لفلفة" المال العام.
تشكل تصرفات بعض المسؤولين إدانة أخلاقية ليس لجوهر العمل السياسي فقط، بل للكيفية التي يتعامل بها البعض مع مفهوم ادارة مؤسسات الدولة، أصبحنا نقرأ ونسمع عن مسؤولين فاسدين وظفوا موازنة دوائرهم لمنافعهم الشخصية، وغادروا من غير أن يتركوا منجزا واحدا يذكر الناس بما يجري.
تقدم لنا حكاية ساسون حسقيل الاقتصادي والرجل المالي الكبير الذي تولى وزارة المالية خمس مرات في أوائل تأسيس المملكة العراقية، أنموذجا للتفاني والنزاهة فالرجل ومن شدة حرصه على المال العام قد ذهب اسمه مثلا، فتجد العراقيين يقولون لمن يتشدد في امور المال "يمعود لتحسقلها زايد"، يكتب علامة بغداد جلال الحنفي في كتابه معجم الألفاظ العامية البغدادية: "ارتبطت مفردة حسقلة بوزير المالية ساسون حسقيل الذي عرف عنه حرصه الشديد على ميزانية الدولة العراقية وتشدده في امور الصرف".
ويقول عبود الشالجي في موسوعته "الكنايات البغدادية" أن مفردة حسقلها جاءت من كلمة حسقيل وهو اول وزير مالية عراقي عرف بتشدده ومحاسبته في كل ما يتعلق بشؤون المال.
ولعل من أشهر الروايات عن الوزير ساسون حسقيل ما جرى بينه وبين ناجي السويدي حول مبلغ "45" دينارا والتي كانت ضمن التخصيص المالي الذي قدمه السويدي الى وزير المالية لترميم بناية "القشلة" التي كانت انذاك ثكنة عسكرية:
السويدي: سيد حسقيل لماذا اقتطعت (45) دينارا من الـ (300) دينار المخصصة لترميم بناية القشلة وفق تخمينات المهندس المسؤول.
ساسون حسقيل: يا سيد ناجي أفندي ناقشت هذه المسألة مع المهندس في موقع العمل ودار بيني وبينه حديث طويل وتوصلنا الى نتيجة مفادها بأن (255) دينارا تفي بالغرض.
ناجي السويدي: خلف الله عليك ساسون أفندي اليس بالإمكان اعادة مبلغ التخمين الى (300) دينار. ان القشلة من المعالم التاريخية لبغداد.
ساسون: سيدنا الحفاظ على المعالم التاريخية في بغداد يجب ان يكون متوازيا مع الحفاض على المال العام.
وبعيدا عن الإهدار فالإهدار يجعل من المال (سائبا) والمال السائب يعلم السرقة ولاعجب ان تخرج بغداد باسرها تشيع جنازة الوزير ساسون يتقدمها الرصافي راثيا:
نعى البرق من باريس ساسون فاغتدت
بغــداد أمّ المجد تبلى وتندب
ولا غــرو ان تبكيــه اذ فقــدت به
نواطق أعمالٍ عن المجد تُعرب
يتوقف المواطن العراقي وهو يسمع عن الازمة المالية التي تمر بها البلاد ويسأل ماذا حدث لمداخيل النفط، في ظل الفساد خلال السنوات الماضية، وماذا صرف منها على الشعب، وماذا نُهب وهرب خارج البلاد؟ .

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ناقلة نفط تغرق في مضيق هرمز بعد استهدافها إيرانياً

الإمارات والسعودية تحذّران إيران من تصعيد الصواريخ والطائرات المسيرة

الأعرافي يتولى قيادة إيران مؤقتاً

العراق يمدد إغلاق اجوائه لمدة 24 ساعة

"بعد اغتيال خامنئي".. قتيل وتسعة جرحى في الإمارات وهجمات صاروخية على السعودية!

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

العمود الثامن: بلاد استبدلت المستقبل بكرسي المالكي

العمود الثامن: في البحث عن المرحوم أفلاطون

 علي حسين لا تزال دور النشر تصدر كل يوم كتباً تتحدث عن بناء الدول، وكيف تكون الدولة العادلة، ورغم أن المرحوم "أفلاطون" حاول قبل 2500 عام أن يخصص للموضوع كتاباً بعنوان "الجمهورية" تاركاً...
علي حسين

قناطر: رمضان مناسبة لتجديد الإنسانية

طالب عبد العزيز نعترضُ على أداء أحزاب الإسلام السياسي، ونجزمُ على أنها السبب في ما انتهينا اليه، من احتراب وفساد وضياع أموال، ونستنكرُ -كشعب سريع الغضب -ما آلت اليه المصائر العراقية بعامة، مع يقيننا...
طالب عبد العزيز

صناعة الهمجية: كيف تتحول شعوبنا الى قبائل من ورق ؟

سعد سلوم بينما يُنظر إلى الهولوكوست كجريمة أنتجتها ماكينة الحداثة والبيروقراطية الأوروبية، تُصنف المذابح في عواصم المشرق العربي، من بغداد إلى دمشق وبيروت، بوصفها انفجارات بربرية كامنة أو كراهية طائفية أزلية. هذا التصنيف يجرد...
سعد سلّوم

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

محمد الربيعي (2-1 ) لا ينبع هذا المقال من رغبة في جلد الذات، ولا ينطلق من نظرة تشاؤمية سوداوية تجاه وطن يمتلك تاريخاً ضارباً في عمق الحضارة ومكانة محفورة في ذاكرة العلم الإنساني منذ...
د. محمد الربيعي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram