اعلان ممول

TOP

جريدة المدى > مقالات واعمدة ارشيف > عين: موكب... وموكب

عين: موكب... وموكب

نشر في: 13 أغسطس, 2011: 08:58 م

 عبد الخالق كيطانمرّ أمامي في ساحة التحرير موكب مهيب، طويل عريض، سيارات دفع رباعي مضللة، وجنود مدججون بالأسلحة يمتطون ظهور سيارات أميركية ماركة (شيفر)، و(فورد)، وهم يرتدون خوذاً ونظارات سود... لا أحد يستطيع أن يخمّن من هو صاحب هذا الموكب الجليل، ولا أحد يستطيع، بضمنهم جنود حراسة الموكب أنفسهم، أن يحدّد في أيّ سيّارة يجلس السيد المسؤول.. وهذا ليس مهماً لراجل مثلي تشوي رأسه حرارة صيف آب اللهاب، ويريد أن يصل بأسرع طرق إلى مقصده بعيداً عن نظرات الجنود القاسية، التي هي ألعن من طعنة حربة.
وصل الموكب، إذن، إلى المنطقة من حلق نفق الباب الشرقي إلى ساحة التحرير، جنود كانوا يحمون الشارع، اتجهوا مباشرة لقطع أي محاولة يريد بذلها سواق قد ينافسون الموكب المهيب هذا في طريقهم. صرت الآن على مقربة جداً من الموكب الذي أخذ أربع مسارات من الشارع المجاور لحديقة الأمة. هنا حدث تحول دراماتيكي في المشهد.الشارع ذاته هو مسرح لعدد لا يحصى من الباعة المتجولين الذين تدلّ ثيابهم وسحناتهم المحترقة عليهم. إنهم يتحركون في نسق ثابت ومتناسق بين قوافل السيارات المتوقفة بسبب الازدحامات الخانقة التي تصل إلى جسر الجمهورية ونزولاً إلى ساحة وزارة الداخلية في الجهة الثانية. يبيع هؤلاء بطاقات الهواتف النقالة، والسجائر، وقناني الماء البارد مجهولة مصدر التعبئة، وبضعة ألعاب أطفال على شاكلة الدمى ورشاشات الماء والبالونات الملونة. دخل الموكب المهيب إلى هذا الحشد من الباعة. تصوروا الموقف الآن: السيارات المضللة احتلت الشارع، والباعة المتجولون يدورون حولها فلا نافذة فتحت ولا يد امتدت ولا إشارة حصلت. دار الباعة حول السيارات بصمت وجل، أي كلمة، أو صرخة، أو إشارة، أو حركة قد تفسر بغير وجهتها الصحيحة، وبالتالي يكون ثمنها شيء أقرب إلى الموت. لم يستمر الصمت طويلاً، إذ تبادل الباعة النظرات بينهم. تساؤلات عيونهم تحكي كثيراً، ومن الأعلى ينظر الجنود الملثمون أو أولئك الذين يرتدون نظارات سود سميكة. الباعة لا يعلمون أي سيارة هي التي تخيف أكثر من غيرها، فالسيارات متشابهة. والزحام على أشده في سيطرة جسر الجمهورية. شرطي المرور الذي يقف في ساحة التحرير يريد أن يصمّ أذنيه عن سماع صفارات ومنبهات  سيارات الموكب، ولكن إشارات الجنود الغاضبة لا تدع مجالاً للشك بأن على الشرطي أن يفعل شيئاً. حاول هذا الشرطي الغاضب، والمنزعج جداً من حركة مواكب المسؤولين، أن يوقف تدفق السيارات من شارع السعدون. وبدأ الموكب في الحركة من جديد بعد توقف استمر لدقائق وسط الشارع.الباعة المتجولون، من جهتهم، كانوا قد "بسمروا" أقدامهم في أماكنها. الخوف قد بلغ أشده عندهم. وضياع هذا الزمن، وهو زمن الذروة في عملهم، من الممكن تجاهله ما داموا يستنشقون الهواء. بدأت سيارات الموكب تتحرك ببطء في الوقت الذي تتوقف فيه حركة كل كائن حي في المنطقة. ثم انتهى المشهد.عاد الباعة المتجولون بعد أن تنفسوا الصعداء إلى عملهم، كان تعرقهم قد ازداد بفعل الخوف، وكانوا قد خسروا كثيراً من الوقت، الشحيح أصلاً، ملابسهم مبتلة، وفي ذاكرتهم نساء وأطفال ينتظرون. وعلى الجانب الآخر، كان الجالسون في السيارات المضللة يستمعون إلى شريط واحد، مكرور حدّ الابتذال، ولكن سائقي سياراتهم مجبرون حقاً على أن يضعوا شريط البكاء يومياً في مسجلات السيارات، لأنه يقوي من نسب الايمان... والتقوى!

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

شناشيل :رسالة عبد الرحمن الراشد

زمن العصملي

العمود الثامن: صحافة "أبو إدريس"

سلاما ياعراق : وكم بالعراق من المضحكات

عـالَـم آخــر: سوريا وإيران.. "أرض الوحشة"

مقالات ذات صلة

حياتي وموت علي طالب

حياتي وموت علي طالب

غادة العاملي في لحظة تزامنت فيها الحياة مع الموت استعدت ذكريات عشر سنوات ،أو أكثر .. أختصرها الآن في ذاكرتي بالأشهر الثلاثة الأخيرة. حينما اتفقنا أناقرر هو أن يسافر ملبيا الدعوة التي انتظرها لأكثر...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram