اعلان ممول

TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > العراقيون وصناعة الأزمة

العراقيون وصناعة الأزمة

نشر في: 6 مارس, 2013: 08:00 م

"تحليــــــــــــل سيــــــكوبــــولتـــــــك"تنفرد حياة العراقيين عن باقي الشعوب بأنها كانت في العقود الثلاثة الأخيرة أشبه بأرجوحة تتأرجح بين:أزمة..انفراج،أزمة ..انفراج...نجم عنها تقلّب في المزاج وعدم استقرار نفسي.والأزمة،بحسب قاموس وبستر،فترة حرجة

"تحليــــــــــــل سيــــــكوبــــولتـــــــك"

تنفرد حياة العراقيين عن باقي الشعوب بأنها كانت في العقود الثلاثة الأخيرة أشبه بأرجوحة تتأرجح بين:أزمة..انفراج،أزمة ..انفراج...نجم عنها تقلّب في المزاج وعدم استقرار نفسي.والأزمة،بحسب قاموس وبستر،فترة حرجة وحالة غير مستقرة تخلق التوتر في نفوس الناس،وتمثل تهديدا لصانع القرار وإرهاقا وجهدا نفسيا لتأثيرها السلبي على القدرات والمهارات الذهنية.والمشكلة ليست في حدوث الأزمة بل في كيفية إدارتها.والمهتم بعلم النفس السياسي يرى أن الأزمات الحادة التي انفرد بها العراق صاغت العقل السياسي العراقي بطريقة برمجت عملياته المعرفية على تصلّب وجمود فكري يفتقر إلى المرونة والقدرة على إيجاد البدائل،فضلا عن أنها عملت سيكولوجيا على زيادة ارتباط القائد السياسي بجماعته وزيادة ميله لاستعمال القوة ضد الآخر.
  وهنالك أكثر من قضية داخلية في الأزمة السياسية العراقية: الشراكة الحكومية، النفط والغاز، المادة 140 من الدستور، اتفاقية أربيل، الفساد المالي والإداري، مثلث العلاقة بين حكومات العراق وتركيا والإقليم، المناصب الحكومية الشاغرة،وأخيرا أزمة التعامل مع تظاهرات الأنبار ونينوى وسامراء...المطالبة بحقوق مشروعة الملغومة بقوى تريد الشرّ للعراق.
وهنالك عوامل خارجية صانعة للأزمة أو تذكيها تتمثل في المحاور الإقليمية.فالعلاقة متأزمة بين العراق وتركيا،ثم قطر، فضلا عن ثلاثة ملفات خطيرة مع إيران: الحقول النفطية المشتركة «مجنون، أبو غرب، الفكة، بزركان، نفط خانة» وترسيم الحدود، وشحّ المياه بتحويل معظم روافد دجلة إلى أراضيها،والخراب الأسود في سوريا..وما حدث على الحدود الغربية من حرب بين ثلاثة جيوش! بداية آذار 2013.
 وما يجعل الأزمات مستعصية، عدم وجود آليات لحلّها. فمجلس الوزراء يفتقر إلى نظام داخلي واضح يحدد أداء السلطة التنفيذية، ويضبط عمل الحكومة. والتقاطعات والتضاربات في الصلاحيات داخل الحكومة ذاتها، وبينها والبرلمان، تعدّ أحد أهم أسباب عدم التوافقات. ووجود مواد في الدستور يصفها قانونيون بأنها «حمّالة أوجه»، بينها منح رئيس الوزراء صلاحيات في غياب قوانين تضبط تلك الصلاحيات وأخرى كبيرة تمكّنه من الانفراد بالسلطة، فضلا عن وجود اتجاه يدعو إلى تركيز السلطة في الحكومة الاتحادية، وآخر يدعو إلى منح المحافظات والأقاليم استقلالية تعطي صلاحيات واسعة لحكومات المحافظات.
 إن هذا الكمّ المعقد من القضايا الشائكة والمتشابكة يفضي إلى ثلاث حقائق سيكولوجية: خلق تشوش فكري لدى متخذ القرار يضطره إلى التركيز فقط على القضايا التي فيها خطر عليه، وتعميق روح الشك في الآخر بين الفرقاء في بارانويا سياسية، وتقوية الانتماءات والولاءات للأحزاب والعشائر ودول خارجية على حساب الانتماء للمواطنة والولاء للوطن.
 هذه الحقائق السيكولوجية لا ينفرد بها السياسيون العراقيون، بل تنطبق على الطبيعة البشرية. بمعنى أن أي سياسي في واقع فوضى فكرية وسياسية كهذه سيعيش الخبرة ذاتها، والاختلاف يكون في طريقة التعامل معها.
وللأسف فإن سيكولوجيا الأزمة تحكّمت بالسياسيين العراقيين أكثر من قدرتهم على التحكّم بها، ولك أن ترى كيف فعل دافع الانفعال بهم إلى إطلاق التصريحات المتناقضة عبر وسائل الإعلام، وتركيزهم على مسائل الخلاف،واستخدامهم آلية «الإسقاط» بتنزيه النفس والتمتع بالنوايا الصادقة، وتحميل الطرف الآخر كلّ الخطايا، والخطابات المتضادة بين وطنية مخلصة وطائفية تحريضية،مع أنهم جميعا شركاء في صنع ما حصل للناس من فواجع وما حصل للوطن من خراب.وهذا يفضي، بحتمية سيكولوجية أخرى، إلى أن التفكير يعتاد على استحضار الخلافات بما يزيد المسافة التفاهمية بعدا،وبرمجة العقل على آلية «العناد العصابي» بالإصرار على البقاء بالمواقف، فيما يتطلب حلّ الأزمة مرونة التحرّك التي لم تحصل مع أنها أخذت أكثر من وقتها، لأن السياسي من هذا النوع لا يتزحزح عن مواقفه إلا حين يتهدده خطر يطيحه، فيما السياسيون العراقيون أمنوه..فالشعب جرّب حظه في تظاهرات شباط واستكان، والظهر مسنود إلى أكبر قوة في العالم،ما جعل الرئاسات الثلاث تعيش حالة بذخ وترف خرافي مع أن ربع الشعب يعيش تحت خط الفقر..وهنالك تقارير تستند إلى جريدة الوقائع العراقية يستنتج منها أن ما يتقاضاه خمسة أشخاص من هذه الرئاسات في سنة يكفي لإعمار مدينة الحلة لتكون بابل الحضارة!   
وثمة حالة خطيرة هي ظهور «اللاعب الوحيد» في فرقاء العملية السياسية. ومشكلة اللاعب الوحيد أنه يجمع كلّ خيوط «اللعبة» بيده، ويركّز وفريقه على مسائل الاختلاف مع الفرقاء، ويغلّب مصلحة فريقه على مصالح الوطن، وأن سيكولوجية السلطة في العراق علّمت المحيطين باللاعب الوحيد أن يقولوا له ما يحب أن يسمعه!..فضلا عن أن الكتل المتنفذة في الحكومة اعتمدت على أهل الثقة وأهل الطاعة وليس على أهل الخبرة وأهل الكفاءة،وهؤلاء يتوزعون بين من "يستأنس" على ديمومة الأزمة وبين من تضطره الطاعة أن يكبت أية فكرة تسهم في تخفيف أزمة.
 إن السياسة والصراع في متلازمة أزلية لأنها متعلقة بتنافس على سلطة وثروة واعتبار اجتماعي وغالب ومغلوب.والمشكلة ليست في الصراع بل في أساليب التعامل معه. فمن مفاهيمنا الخاطئة التي صنعتها الأزمات أننا ما أن نسمع كلمة (الصراع) فإن ذهننا يبادر لاستحضار صور العراك والعنف والخصومة الدائمة..مع أنه يؤدي أحيانا إلى حالة إيجابية. غير أن تاريخنا السياسي الذي كتبته الحروب والعنف الاجتماعي ، صاغ تفكيرنا بطريقة صرنا نفهم فيها الصراع على أنه حالة بين أن تكون أو لا تكون..بين أن تبقى أو تفنى!.
وسواء كان الصراع سياسيا" أو اقتصاديا" أو اجتماعيا" فإن حلّه يتوقف على طبيعة إدراكنا له ،الناجمة عن نوعية منظورنا الفكري ونضجنا السياسي. فالطرف الذي يتحكم به منظور أن الصراع يعني وجوب التغلب على الآخر والانتصار عليه بأية طريقة كانت، يجبره على أن يتعامل مع الطرف الآخر بأسلوب حذر وتأويلي..بمعنى أنه يفسّر أقوال وأفعال الطرف الآخر بأن فيها (إنّ) حتى لو كانت بنوايا طيبة،فينجم عنه إثارة مشاعر سلبية يفضي تراكمها إلى كره متبادل بين أطراف الصراع..فيما المنظور الصحيح هو أن الصراع يمكن أن يكون عاملا مساعدا ومصدر طاقة يمنحنا الفرصة لتعميق علاقاتنا ويجعل أطرافه أصدقاء لا أعداء ويمنح الجميع المتعة والبهجة.
والشائع عندنا،لاسيما في حياتنا السياسية،أننا نساوي بين الصراع والإحباط،الذي يمثل حالة نفسية تنطوي على تعبيرات انفعالية سلبية وسلوكية عدوانية ، تنشأ عند مواجهة هواجس تعيق تحديد الأهداف المنشودة،الأمر الذي نجم عنه (عندنا) أن كلّ طرف صار ينظر إلى الطرف الآخر بوصفه عقبة تحول دون تحقيق مصالحه..دون أن يدرك أن هذا يفضي نفسيا إلى أن تتكاثف مظاهر السلوك العدواني مصحوبة بزيادة حدّة الإحساس بالإحباط، توصله لنتيجة كارثية هي (يقينه )أن الصراع يستلزم نجاح احد الطرفين وإلحاق الأذى بالطرف الآخر..وهذا أحد أهم أسباب أزماتنا التي ستبقى مستعصية على حلّ عقلاني ما لم نغير أساليب تعاملنا الخاطئة مع الصراع.
ومع تعدد مساعي سياسيين مخلصين ووجوه اجتماعية لاحتواء الأزمة فإن الخلاص من المحنة الحالية يستوجب عمليتين سيكولوجيتين:
الأولى:أن يتخلص الفرقاء من البرنويا السياسية التي تنتعش في أوقات الأزمات بتغذية راجعة بين قائد سياسي يذكيها وجماهير تتحكم بها عقدة الثأر الجاهلي .
والثانية: أن يغادر (أنا) القادة السياسيين مفهوم (البطل) بالصيغة المشفّرة في العقل الجمعي العراقي: (الزعيم الأوحد)،(القائد الضرورة)،(القائد الرمز...) التي تفعّل حاجة الجماهير المأزومة إلى (بطل) تصنع منه دكتاتورا!.
ومن عجائب الأمور أن أزمة حدثت في العراق عام 1929 نظم فيها الجواهري قائلا:
        (ستبقى طويلا هذه الأزمات   إذا لم تقصّر عمرها الصدمات  
إذا لم ينلها مصلحون بواسل  جــريئون في ما يدّعون كفاة
ألم تر أنّ الشعب جلّ حقوقه   هي اليوم للأفراد ممتلكات؟
ومن عجب أنّ الذين تكفّلوا   بإنقاذ أهليه هم العثرات!!).
ياسلام..ما أشبه الليلة بما قبل ثمانين سنة!..ترى هل هي علّة فينا نحن العراقيين؟!

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

المتفرجون أعلاه

جينز وقبعة وخطاب تحريضي

تأميم ساحة التحرير

زوجة أحمد القبانجي

الخارج ضد "اصلاحات دارون"

العمودالثامن: منزل في الإسكندرية وخرابة في بغداد

 علي حسين وأنا أحث الخطى إلى بيت الشاعر اليوناني قسطنطين كفافيس الذي يقع وسط الإسكندرية في شارع يحمل اسمه ، تذكرت الخرابة التي تقع خلف مقهى المربعة والتي كانت فيما مضى بيت الروائي...
علي حسين

قناديل: ما عاد الصيف أب الفقير..!

 لطفية الدليمي كان مثالاً متداولاً في تراثنا العراقي أنّ الصيف أبُ الفقير، يكفيه شرّ المذلّة والمسكنة. لقمة الفقير في الصيف مكفولة ومقدورٌ على متطلباتها الشحيحة؛ فما هي إلا بضعُ حبّات من الطماطم، وأشيافٌ...
لطفية الدليمي

قناطر: الغدير ويوم الموسيقى

طالب عبد العزيز المصادفة وحدها هي التي جعلت من وفاة الفنان عاصي الرحباني في اليوم العالمي للإحتفال بالموسيقى 21 حزيران من كل سنة، عاصي الذي ولأنني أحاول أنْ أبعد عني كل ما هو وحشي...
طالب عبد العزيز

تحديات وفرص التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في العراق

محمد الربيعي يشهد العالم اليوم ثورة رقمية هائلة تغزو جميع جوانب الحياة، بما في ذلك التعليم. فالتحول الرقمي في التعليم والذكاء الاصطناعي أصبحا ضرورة حتمية لمواكبة التطورات المتسارعة وتحسين جودة التعليم وزيادة التفاعل والمشاركة...
د. محمد الربيعي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram