اعلان ممول

TOP

جريدة المدى > عام > الدراما المحلية بين كثرة الفضائيات وضآلة المعطى

الدراما المحلية بين كثرة الفضائيات وضآلة المعطى

نشر في: 17 أكتوبر, 2012: 05:00 م

محمد الكحط
تعد الدراما التلفزيونية واحدة من المتع الفنية التي تحمل قيما فكرية وجمالية والتي تبث توجيها وتنويرا إنسانيا. وهي متنوعة في طبيعتها وطريقة معالجتها لشؤون الحياه ودواخل البشر. والدراما التي تقدم على شكل مسلسلات وسهرات تلفازية وبرامجيات منوعة ودرامية تتخذ أشكالا متعددة لتقديم رؤاها وهي قد تكون تأليفا خالصا في اغلب الأحيان وفي أحيان أخرى تكون معدة أو مقتبسة عن أعمال درامية قديمة أو عن روايات وقصص عالمية أو محلية.
وميزة كتاب الدراما التلفازية العراقية إنهم يكتبون بتأليف محلي خالص يستوحي احداثه من الحياة الواقعية العراقية بكل ما فيها من شجون وعبر. وقد كانت الدراما في فترة من الفترات السابقة حصرا على التلفزيون العراقي الذي يعرض الأعمال الاوربية ولا سيما الافلام السينمائية ومعها الأعمال الدرامية للفرق الاهلية الناشطة حينذاك مثل فرقة المسرح الفني الحديث، وفرقة 14 تموز للتمثيل وفرقة الزباينة، وقد تطورت الدراما العراقية وتحولت في فترة السبعينيات من القرن الماضي إلى مسلسلات تتحدد  في ثلاثية أو سباعية أو سهرات تلفازية لكن فترة الثمانينيات شهدت مولد المسلسلات الطويلة التي تتحدد في أكثر من عشرين حلقة ومع جيل المخرجين الأوائل من خليل شوقي وخالد المحارب وحسين التكريتي وعبد الهادي مبارك وعمانوئيل رسام الى جيل آخر جديد مثل علي الأنصاري وحسن الجنابي وعادل طاهر ورشيد شاكر ياسين وصلاح كرم إلى ظهور المخرجين حسن حسني وعماد عبد الهادي وعدنان إبراهيم وعماد بهجت وعدنان هادي ورجاء كاظم وفردوس مدحت وفلاح زكي وصولا إلى المخرجين جمال عبد جاسم وصباح رحيمة والتفات عزيز وعزام صالح. قطعت الدراما العراقية شوطا كبيرا في التعريف بذاتها وفي أن تكون ضيفا معززا لدى العائلة العراقية بوصفها كانت إحدى الوسائل التي قدمت لهم الواقع المعاش بعذاباته وهمومه وتطلعاته في حياة كريمة وعدالة اجتماعية لا بد وأن تكون ولعل من ابرز الكتاب الذين انبعثت الدراما على أيديهم وانطلقت لتبشر بقيم الخير والأمان والرغبة في صنع السلام والحلم بمجتمع لا فساد فيه ولا ظلم كان الكاتب الكبير صباح عطوان ولا سيما في أولى كتاباته الريفية والحضرية وكان لخليل شوقي مساهماته هو الاخر في رفد الدراما التلفازية ببرامجيات درامية تناولت مشاكل المجتمع العراقي في فترة التحولات وتنامي الحركة السياسية العراقية وكان عبد الباري العبود واحدا من الكتاب العراقيين الذي تناول هو الآخر قضايا اجتماعية وعلاقات أسرية وخفايا البيوت وأسرارها. أما الكاتب فاروق محمد فقد أنتصر في كتاباته للمرأة أولا وجاءت أعماله الدرامية لتعالج جوانب سايكولوجية وواقعية سحرية وحملت شخصياته الكثير من النبل والجمال والأصالة. وساهم الكاتب الكبير عبد الوهاب الدايني في تقديم دراما عراقية رصينة وبناءة لمجتمع يحلم فيه الشباب بآفاق مستقبلية قادمة يلفها العمل والانجاز والحب. وكان هو الاخر من الذين سلطوا الضوء على هموم المرأة وتطلعاتها. يأتي الكاتب معاذ يوسف لتقديم لون آخر من الأعمال الدرامية التي تغرف من المثيولوجيا العراقية والتراث بأسلوب شيق وراق ميز أعماله عن غيره من الكتاب الدراميين في العراق وقد أكد في اغلب أعماله على العمق الإنساني والصورة الشعرية الرومانسية للعلاقات الإنسانية بعد ذلك نتوقف عند الكاتب عادل كاظم الذي رفد هو الآخر الدراما العراقية بعدد من الأعمال التي ما تزال راسخة في ذاكرة الدراما التلفازية العراقية وان كان ينهل من الأدب العالمي ويوظف قراءاته عبر تلك النصوص التي قدمها وكان لعمله مع الفنان المصري إبراهيم عبد الجليل دور كبير في صناعة عمل درامي فيه صنعة ورصانة خرجت به من التقليدية المعتادة في الأعمال العراقية على مستوى المرئي ودلالاته التعبيرية. واصلت الدراما عملها لاسيما بعد ظهور منتجين ومخرجين يقودون شركات إنتاجية وجدت لها فسحة وآفاقا في زمن الحصار الذي كبل الحياة العراقية لمدة تزيد على الثلاثة عشر عاما. لكن بعد الاحتلال الأمريكي وانفتاح السموات على سعتها امام المتلقي العراقي بوجود الستلايت وتزايد عدد الفضائيات التي تتولى الترويج للاعمال الدرامية العراقية، حدث ما يشبه الزلزال في الحياة الدرامية مابين أعمال مؤدلجة ومسيسة وبين أعمال تحاول أن تستند الى ما يحلم به المواطن العراقي المستلب والمهدد يوميا بفعل فقدان الأمان وانفلاته وفضائيات لا هم لها سوى تقديم أعمال درامية لا صلة لها بالدراما فهي متواضعة في طروحاتها وهزيلة في إنتاجها وفيها الكثير من الإسفاف والتسطيح وغاب عنها الرقيب الفني ولا وجود للرقيب الأخلاقي المسؤول في مجتمع زادت مشاكله عن الحد المعقول فأصبح يتصادر القوائم الاستبيانية والبحثية  في الفساد والتخلف والأمية وفقدان الأمان!
وفي كل هذا الزخم من المشاكل والتأزمات والتوجهات ما بين نفعية تضع الربح أساسا في العمل الفني وما بين سياسية تضع التوجه الطائفي أساسا  في العمل الدرامي وما بين دينية تضع التابوات والخطوط الحمراء هدفا في العمل الدرامي يكون الفنان العراقي الضحية الأولى فهو مكشوف وليس من حماية له فلا نقابة فنانين تحميه وتضع لوائح الأجور التي تليق به ولا وزارة ثقافة قادرة على رد الفضائيات والمنتجين ومنعهم من التلاعب بحقوق الفنانين العراقيين وليس لهيئة الاتصالات والإعلام من دور رقابي يلزم بعض الفضائيات بأعمال فيها رصانة وفيها توجيه وتوعية من خلال الكوميديا ولا سيما تلك التي تقدم في رمضان وليس من تحرك للجنة الثقافة والاعلام في البرلمان العراقي لأجل توفير الحماية والرعاية والدعم للفنان العراقي ومنحه فرصة أن يختار وان يقدم أعماله على وفق أسس موضوعية وأخلاقية ووطنية تحترم فيه طاقته وإبداعه وتاريخه الفني وأن تتوفر العدالة في توزيع فرص العمل للجميع وإذا كان تحول الإنتاج الدرامي خلال العام الحالي على الأرض العراقية وهو مطلب جميع الفنانين العراقيين  فلا بد من أن يكون العمل الدرامي لائقا ومعافى وفيه حلول حقيقية لمجتمع يبحث عن أمانه وسلامة لحمته الاجتماعية المتمثلة بالخلية الأولى وهي الأسرة. لكي تقدم دراما عراقية تستطيع أن تنافس وأن تؤثر وتسوق وان تكون متابعة ومطلوبة لا بد أن يلجأ إلى التخطيط والدراسة والتهيؤ في الوقت المناسب والفضاء الملائم لاحتواء الأعمال الدرامية العراقية مستفيدين من معرفة نتائج الأعمال الدرامية السابقة وما حققته من نسبة مشاهدة ومتابعة ولا بد من أن تنطلق من أفكار ورؤى وأحداث تضع الإنسان العراقي الحالم بالغد الأفضل في صلب اهتماماتها وان تكون الأعمال بناءة وهادفة تحمل في جوانبها النقد لكل ما هو سلبي لكنها لا تغفل الجانب الايجابي وتنبذ العنف ودواعي الثأر وتدعو إلى مواطنة أساسها المسامحة وطي صفحات الماضي والعمل لحفظ تراث وأرث وطن يحلم أبناؤه ببقائه موحدا ومالكا لسيادته بكل ألوانه وأطيافه التي اعتادوها وتعايشوا معها ...هي دعوة لأجل دراما عراقية  مستوفية لشروط الإبداع والتميز ما دمنا نتهيأ لرمضان القادم والغد عنا ليس ببعيد...

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

خارطة بتوزيع العاصفة الغبارية في العراق

السوداني يتابع شخصياً خطة العيد: وفرنا التكنولوجيا الحديثة لتغطية مناطق بغداد

إدارة الجوية تقيل أوديشو وتسمي بديله

إيران: 30 عنصراً من داعش في قبضتنا

العراق يباشر باخضاع المسافرين "لفحص الايدز" 

ملحق منارات

الأكثر قراءة

النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت

حوار مع الروائية الفيلسوفة أيريس مردوخ : الرواية الجيدة هي هِبة للإنسانية

"الزنا".. أحدث روايات الكاتب البرازيلي الشهير باولو كويلو

هل دجلة الخير للجواهري نهر؟

كيف تموت منتحرا؟

مقالات ذات صلة

استعادات من صيف لندني
عام

استعادات من صيف لندني

لطفية الدليميليس مِنْ مدينة أوروبية مثل لندن عاصمة الامبراطورية التي غابت عنها الشمس، مدينة أحلام سكان المستعمرات، هي المدينة الأكثر ألفة وحميمية - رغم كآباتها العريقة - من بين مدن القارة؛ فلا تماثلها باريس...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram