TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > "الشذرة" صيغة جمالية مفتوحة على الأنواع

"الشذرة" صيغة جمالية مفتوحة على الأنواع

نشر في: 1 نوفمبر, 2013: 10:01 م

إذاما عالجنا، في أعمدة ثلاثة سابقة، إشكالية "الشذرة" وجمالياتها الشائعة اليوم في وسائل الاتصال الاجتماعيّ، فلأنّ طبيعة هذا الشكل الإبداعيّ تثير تساؤلات حقيقية، ولأنه يحيل بالضرورة إلى مساءلة الإرثين الأدبيين، الأوربيّ (منذ الإغريق) والعربيّ طيلة عصوره، وامتداداتهما في الأدب المعاصر.
وهنا لابدّ من كلمة جديدة لردم الفجوة، الأخيرة أو ما قبل الأخيرة، عن علاقة الشذرة بالمثل السائر وشواهد القبور. فالمثل السائر عربياً هو عبارة رائجة وجيزة، متقنَة الصياغة، مجازية "تتضمَّن خلاصة تجربةٍ عامة ". أو هو كلام ٌ مختصَر يمثّل عبرة طالعة من تجربة أو حادثة تقال في مناسبات أُخرى مُشابهة.
في الآداب الأوربية تُرجمت المفردة ماكسيم Maxime بالمثل السائر، وعُرِّفت على أنها صيغة موجزة تحدّد قاعدة أخلاقية أو سلوكية، أو تفكيراً من طبيعة عامة. ولأصل الكلمة قرابة اشتقاقية بالأقصى، الأعلى، الأكمل والشمولي، كأنها تُحدّد بأقلّ الكلمات فكرة شاملة وكلية. وهي لا تختلف كثيراً عن مفهوم الأفوريسم Aphorisme الذي تُرجم عادةً بالقول المأثور أو الحكمة أو المثل المأثور، وعرِّف على أنه جملة معبَّر عنها في بيان مختصَر، هدفها ليس التعبير عن الحقيقة بالضرورة إنما إرغامنا على التفكير العميق، بينما يحدّدها الكاتب الأمريكي أمبروز بيرس (1842 – 1913) على أنها "حكمة وقع هضمها".
أما شاهدة القبر، فمن الواضح أنها كتابة منقوشة على قبر. ويٌقصد بها أدبياً صيغة حكمية، تُذَكِّر في ثقافتنا بالزائل والفاني غالباً، وفي بعض الأمثلة الأوربية وحتى العربية تكون أحياناً طرفة مأساوية. فقد كُتب، على ما يُذكر، على قبر أبي العلاء المعريّ بيته: "هذا جناه أبي عليّ وما جنيت على أحد". نصوص شواهد القبور الأوربية المحفوظة منذ الإغريق فالرومان وحتى يومنا تشهد على التذكير كذلك بالزائل، لكنها في حالات أخرى تشكل شذرات صافية تتراوح بين العبثية والطرفوية، وبعضها الآخر يمثّل نصوصا شعرية منثورة بلا شك، فقط كُتب على قبر هنري فارمان (1874 – 1958): "لقد مَنَحَ العالَم أجنحةً". وكتب على قبر فرانسيس بلانش (1921- 1974) : "دعوني أرقد، فقد خُلقت من أجل هذا"، والآلاف غير هذا.
جميع هذه الصيغ الأدبية يمكن أن تنطوي تحت شكل الشذرة، إذا ما فهمنا الأخيرة على أنها جملة محْكَمَة، مقتضبَة، تشعّ بطاقاتٍ تعبيرية ومجازية عالية تقترب بدرجات متفاوِتة من الشعرية، حتى لا نقول فن الشعر، بغضّ النظر عن فحواها الدنيويّ أو الآخرويّ. تحوز الأمثال السائرة على هذا الشرط التعبيريّ، وتقترب من صيغ أفضل "الأمثال" رغم التفريق الصارم الذي يجريه البعض بينهما. من الأمثال السائرة الحديث: "المؤمنون كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"، ومنها "أكلتم ثمري و عصيتم أمري" وآخر لعلي ابن أبي طالب "تمسَّكُوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة".. الخ. وفي الإنكليزية: "إذا طُعنت من الخلف فاعلم أنك في المقدمة". ومن شعر المتنبي مثلاً، الكثير من الصيغ التي ذاعت جماهيرياً بصفتها مثلاً سائراً.
الشذرة ليست شكلاً أدبياً مقعَّدا بشكل نهائيّ، إنما صيغةٍ جمالية موجزة، نثرية أو شعرية موزونة (بيت واحد سائر)، حكمية أيضاً، ليس بالمعنى الديني وحده، فلدينا شذرات خمرية مذهلة، تدعو في الحقيقة لخلاف أيّ حكمة اخروية وتعارِضُها تماماً.
"الشذرة" صيغة جمالية مفتوحة على الأنواع الأدبية، والمضامين المُتعارِضة.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

العمود الثامن: السعادة على توقيت الإمارات

 علي حسين نحن بلاد نُحكم بالخطابات والشعارات، يصدح المسؤول بصوته ليخفي فشله عن إدارة شؤون الناس.. كل مسؤول يختار طبقة صوتية خاصة به، ليخفي معها سنوات من العجزعن مواجهة واقع يسير بنا إلى...
علي حسين

كلاكيت: عن (السينمائي) وعبد العليم البناء

 علاء المفرجي علاقتي مع (السينمائي) لها حكاية، تبدأ من اختياري لها لكتابة عمودي (كلاكيت) منذ عددها الأول، ولا تنتهي بعددها الأخير. ولئن (السينمائي) تحتفل بعشريتها الأولى، كان لزاما عليّ أن أحتفل معها بهذا...
علاء المفرجي

تركيا تواجه التحول الجيوسياسي الناجم عن عودة دونالد ترامب إلى السلطة

جان ماركو ترجمة: عدوية الهلالي في الأسابيع الأخيرة، ومع ظهور الديناميكيات الجديدة للجغرافيا السياسية لترامب، تركز الاهتمام إلى حد كبير على اللاعبين الرئيسيين في الساحة الدولية، بدلاً من التركيز على دول الطرف الثالث التي...
جان ماركو

منطق القوة وقوة المنطق.. أين يتجه صراع طهران وواشنطن؟

محمد علي الحيدري يبدو أن ملف التفاوض بين إيران والولايات المتحدة دخل مرحلة جديدة من التعقيد، ليس بسبب طبيعة الخلافات القديمة، بل نتيجة تبدّل ميزان القوى الإقليمي والدولي، الذي بات يفرض مقاربة مختلفة عن...
محمد علي الحيدري
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram