عندما يرى المرء الفيلم البريطانيّ (على حافة الحبّ = (The Edge of Love عن حياة الشاعر ديلان توماس (من إخراج جون مايبري 2008)، هل يحقّ له الاعتقاد أن حياة وحتى أخلاق الشاعر يمكن أن تكون بالفعل أمراً مختلفاً بل متعارِضاً مع شعره؟. في الفيلم لا نستطيع أن نحبّ بالضرورة شخصية ديلان توماس ومواقفها وتلاعبها بالعلاقات العاطفية والاجتماعية. شخصية بها ما لا نتوقّعه غريزياً من شاعر كبير، وبها بعض التردّي كما صوّرها المخرج في الأقلّ.
الفيلم مستوحى من عمل لدافيد أن. توماس كاتب سيرة حياة الشاعر الويلزيّ المعنونة "ديلان توماس: مزرعة وقصران وشاليه"ّ التي يطرح فيها صورة إنسانية أقل إشراقاً للشاعر، خاصة بشأن علاقاته ومغامراته النسوية التي اتسمت أحياناً بشيء يشابه فقدان المشاعر العالية والقسوة والمنفعة وفقدان الضمير. ملامح هذه الصورة مستعادة في كلمة شهيرة للورنس دوريل، الكاتب البريطانيّ (1912 – 1990) يقول فيها: "ديلان توماس مهرّج رائع وشاعر رائع". من جهة، مات توماس في وقت مبكّر بسبب جرعة مفرطة من الكحول، ومن جهة أخرى يُشار إلى أن سنوات الكحول والسلوك الرديء والعلاقات العاطفية والجنسية المزدوجة والغامضة قد أنتجت بعض أهمّ أشعاره المعروفة.
في الثقافة الأوروبية هذا التفارُق في السلوك الفرديّ بين الرفعة والإسفاف حاضرٌ، لكنه أقلّ بكثير من واقع الشاعر العربيّ في ثقافتنا. كل يوم تنجلي لنا حقيقة المسافة بين شعر هذا الشاعر العربيّ والعراقيّ وذاك، ومواقفه العملية الطالعة بشيء من الحيلة المُقنَّعَة غير المُقْنِعَة دائماً، حتى صار مألوفاً، لتبرير المفارَقة، سماع تعبير مثل "الشعر شيء والشاعر شيء آخر" على ألسنة الشعراء، وهي كلمة تدعو إلى التفكير الرصين، لكنها في سياق السير الشعرية المحليّة محاولةٌ لإخفاء التناقضات الكبيرة، خاصة تبرير علاقة الشاعر بالآخر، إنسانياً وإبداعياً وأخلاقياً، وهذه العلاقة ليست دوماً في مقام الرفعة المأمولة. ففي السياق المحليّ لا ننفخ دوماً في الجمرة الإنسانية والشعريّة كما يشير معنى كلمة رينيه شار العميق: "علينا أن ننفخ على بعض البصيص لكي نصنع ضوءاً جيداً". إن المرء ليجد في كلمة رينيه شار هذه تعبيراً عن جوهر الخلق الشعريّ، ثم التواصل الخفيّ الذي يحترم بعمق مُنْجَز الآخرين. الشعر روح مهموم بالطفيف الذي ينطوي على النار الفردية الرفيعة.
أحياناً تخلق هذه الخفة المُقنّعَة التي تصيبنا جميعا بلا استثناء في اللحظات الكدرة، الأوهامَ، ومن أعظمها أن بعض أو جلّ الشعراء العرب يحسبون أن ما يكتبونه هو الشعر فقط، وما سواه لمعاصريهم ليس شعراً. لذا لا يقرأونه، ويمرّون عليه مروراً سريعاً. ثمة إيمان مفقود بالآخر، الوجه الأكيد للأنا وصورتها. وقد ارتبط الأمر لدينا بإشهار ملامح ثابتة وحيدة بصفتها صورة الشاعر بالمطلق: الكحوليّ على نهج توماس ديلان وغيره، أو العدميّ أو عديم الضمير المُسِفّ حصرياً، أو شبه الأميّ، الجاهل الذي لا ثقافة رصينة في متناوله. في الثقافة العربية ليس نادراً أن يكون الشعر رفيعاً وكاتبه مُسِفّاً بالمعنى الوجوديّ العميق للمفردة. ويا للأسف.
أحسب أن الجميع يتفق على أن الشاعر لا يجلس بعيداً عن مشكلات عصره، وليس كائناً مصاباً بخللٍ نفسيّ، ولا ملتهباً بالإشراقات الخاطفة وحدها. وليس الشاعر قارئاً رديئاً، ولم يَطْلع الشعر دائماً من الأماكن والعادات غير المتفق عليها من طرف الجميع.
رفعة الشعر وإسفاف الشاعر!
نشر في: 22 نوفمبر, 2013: 09:01 م