لعلّ المرء سيتوقف قليلاً أمام عنوان كتاب الفرنسيّ غوستاف باشلار الذي ترجمه جورج سعد تحت عنوان "شاعرية أحلام اليقظة" (المؤسسة الجامعية بيروت 1991)، لورود المفردة التي اختارها المترجم: شاعرية، ولعله سيتساءل عن سبب عدم اختياره للمفردة الأخرى، شعرية، فما الفارق بين "الشاعرية" و"الشعرية" يا ترى؟
استخدمت "شعرية" بالعربية، في وقت متأخر نسبياً، بصفتها صفة تتعلق بالشعر كالبحور الشعرية والأغراض الشعرية والشواهد الشعرية، وليس بصفتها توصيفاً للدفق أو الجوهر أو المناخ الشعريّ. من الغريب أن يلاحظ المرء في هذا السياق أن مفردة "الشعرية" حتى بصفتها صفة مشتقة من مفردة الشعر لا ترد قط في المعاجم الأساسية: لسان العرب ومقاييس اللغة والصّحّاح في اللغة والقاموس المحيط والعباب الزاخر.
في العصور الحديثة فقط، أي النصف الأول من القرن العشرين، استخدم مصطلح الشاعرية للتعبير عن الإحساس الرفيع الذي يُلامس الشعر وللتعبير عن الجوهر الشعريّ لدي شاعر من الشعراء. وفي السبعينات والثمانينات تواتر استخدام المصطلح الآخر، "شعرية" بمعنى أكثر تدقيقاً.
إذا عدنا لكتاب باشلار، فهو يستخدم "شعرية" المتأخرة هذه. علماً أن الفرنسية تفرّق بشكل لا لبس فيه تقريباً اليوم بين الشاعرية والشعرية، إذ أن الشعرية مؤنث La poétique. في حين أن المفردة عينها بالمذكّر يُمْكن أن تكون هذه الشاعرية Le poétique. المقصود بالمفردة المؤنثة معالجة فنّ الشعر، النوع الشعريّ، والنظرية العامة للطبيعة ومصير الشعر، يتعلق الأمر بعلم تقريباً وقواعد. إذاً هناك اسم نطلق عليه شعرية، كما نقول انطباعية [مدرسة] واشتراكية [مذهب] وحروفية [حركة فنية].. الخ)، وليس صفة. الصفة بالأحرى هي هذه الشاعرية التي تميّز بالفرنسية، كما في العربية، الجميل والحسّاس والمُلْهِم والمُؤثِّر والتجريديّ وغير العقلانيّ.. الخ، ويمكن أن تُطْلق على فن الشعر المخصوص وغيره من ضروب الإبداع الأخرى.
بالنسبة لمترجم كتاب باشلار ثمة التباس وسهو لا شك به، قاده إلى تغافُل الفارق بين المفردة المذكَّرة وأختها المؤنّثة. وبالنسبة للاستخدام الثقافيّ الذي يخلط، عن قصد وغير قصد، بين الشاعرية والشعرية، ثمة عموماً مسار ثقافيّ عربيّ طويل لا يجد "الشعرية" بصفتها مقاربة للروح الشعريّ إلا في صيغ وزنية وموسيقية وبلاغية اسمها (الشعر). لهذا فقد فهم (كتاب الشعر) لأرسطو وترجمه في نطاق هذا المسار. عنوان الكتاب هو البويطيقا poiêtikês وفيه يستعرض أرسطو مبادئ التكوين الفنيّ وفكرة المحاكاة للطبيعة بصفتها جوهراً للبويطيقا، وهو يهتم بالكثير من أشكال الإبداع بما في ذلك الملهاة والملحمة والحوار وحتى الموسيقى والرقص ،إلا أنه يركز بشكل خاص على عناصر المأساة. جوهر البويطيقيا يقع في علاقتها الضيقة مع صيغ البلاغة العامة والاستعارة. أما فن الشعر المحدد (وله مفردة خاصة بالإغريقية هي بويزيس: poesis) فإنه يشكل جزءاً من هذه البويطيقيا. من هنا تقليد أوروبيّ عريض لا يجد البويطيقا في فن الشعر وحده. ومن هنا درس لم يستوعبه، في ظني، حتى كبار مترجمي أرسطو إلى العربية ،مثل ابن رشد، رغم براهين أرسطو عن البويوطيقا التي يجدها في فن التصوير التي ينقلها ويُعلِّق عليها ابن رشد.
إن نتائج هذين المسارين قادا إلى تثبيت مفهوم "الشعرية" الأوروبيّ المحايث الدقيق من جهة، وإلى نوع من الخلط بين الشاعرية والشعرية لدى شريحة واسعة في الثقافة العربية من جهة أخرى. باشلار يتحدث عن "شعرية" خارجة من مسار محدّد، صارت مفهوماً مُعَرَّفا بدقة اليوم.
أنْ توجد علاقة بين الشعرية والشاعرية، هو موضوع آخر.
الشعرية أم الشاعرية؟
نشر في: 6 ديسمبر, 2013: 09:01 م