العلاقة مُعقّدة بين الثقافة والشروط المحيطة بها، وهي أكثر تعقيداً من ثنائيات الأسود والأبيض، ومن المُرتجَى من الفعل الثقافيّ الصافي، ومن الآمال والأحلام العريضة. لا أحد يُناقش في ذلك إلا الرومانسيّ الذي تخطاه الزمن وجدل الواقع، لا شك تقريباً بذلك.
يحدث الالتباس فقط عندما يقع "توظيف" مُبتذَل للثقافة، واعتبار المثقفين شغيلة مدفوعي الأجر، يكتبون حسب الطلب، تحت شروط احتياجاتهم الإنسانية الأولية. وهذا يحدث في بلدانٍ تاريخُ الثقافة فيها يعاني من أزمات لم تُحلّ قطّ، مثل بلداننا العربية، التي وضعت الثقافة بشكل دائب تاريخياً في مرتبة التابع، الجليل أو الذليل، لكن التابع دائماً، كأن المارق والهامشيّ الثقافيّ في شرط كهذا يُعتبر استثناءً، بل استثناءً مُذهلاً وفريداً لا يُعتدّ به وطرفة، وليس له قوة المثال الاجتماعي الذي يُستهدى به.
في زمن رأس المال العربيّ، ثم الطفرات النفطية في القرن العشرين التي لم تشهد ثقافياً الصراعات والتحوّلات التي شهدتها الثقافات الأوروبية، مثالها العالي على الصعيد التقنيّ فحسب وليس المفهوميّ، فإن الثقافة تصير محض سلعة قابلة للشراء والبيع، بالترغيب والتهديد، ويصير المثقف شغيلاً لا يختلف البتة في أذهان أصحاب رؤوس الأموال عن أيّ شغيل باكستانيّ أو هنديّ، لكن برتوش محسَّنة.
في الصراعات السياسية والجيوسياسية الراهنة، ونتيجة لذلك، بعضهم يريد من جميع المثقفين العرب أن يكونوا تحت طلبه. وأن يتحدثوا ويفكّروا كما يحبّ، لأن التجربة أثبتتْ له أن رأس ماله قد يفعل الأعاجيب حتى حين لا يدفع لأحد، فلقد أثبتَ فعلاً، شكلياً، سطوة منطقه على نطاق واسع، رغم أن البعض لا يحبّذ صفاقة منطقه وهو يعتقد، مثلاً، بأنه كما يدفع لداعش والغبراء سيدفع لأيٍّ كان، أو يُرْهبه، أو يمنعه. هذا هو واقع الحال.
هل من الإفراط القول إن بلدانا أو فئات من شعوب منطقتنا التي لا تمتلك إلا بداوة الأسود والأبيض، يمكنها التفريط برماديّ الثقافات التاريخية العريقة؟. يبدو الأمر ممكناً، مع جرح يصيب القلب إذا كانت الفرضية صحيحة.
الأمر الواقع اليوم يقيناً، أن هناك من يعتقد أن المثقف العربيّ صالح للبيع، وأنه تحت الطلب. لقد وقع شراء ذمم لم نكن نعتقد للحظة واحدة أنها صالحة للمساومة. هناك، في اليوم هذا عينه للأسف، المئات من مثقفي العرب ممن يصمت ويتجاوز ويتجاهل قيمه الثقافية صعبة المساومة نظرياً لكن القابلة للتفاهم عملياً ضمن إجراء لفظي حاذق ومتحاذق لصالح خصومه الثقافيين.
في المشهد الملتبس الحالي، الذي يودّ مشترو الثقافة خلقه، ولكي لا يظهروا بمظهر السماسرة المحض في حقل لا يحتمل السمسرة الصريحة، لا يُحترم المثقف قط، ولا يتكلّف أحد بتبجيل مفهوم نقديّ جوهري للثقافة. أنْ تَطْبع كتباً وأنْ تمنح الجوائز في مسابقات ثقافية لا يعني بالضرورة أنك تحترم المثقف الجوهر ولا الثقافة النقدية لأنك ستستبعد، كما رأينا آلاف المرات، ما لا يناسب طموحك ومشاريعك من هذا كله.
سنكون واهمين لو اعتقدنا أن الصورة برمتها محض "نيكاتيف". ففي قلب متابعي بل مروّجي المثقف القابل للبيع والشراء، هناك من يؤمن بمساءلات وأحلام وطموحات ثقافة أخرى، عقلانيتها مغايرة لبراغماتيك رأس المال، ماله. كلنا نراهن على المغلوب على أمره في الشرط الحالي، فليس كل مغلوب على أمره بضعيف العقل ولا الإرادة في نهاية المطاف.
هل المثقف للبيع ؟
نشر في: 10 يناير, 2014: 09:01 م
جميع التعليقات 2
قارئه
فليس كل مغلوب على أمره بضعيف العقل ولا الإرادة في نهاية المطاف. رائع جدا ، والأروع ألتشبث بها قناعة عصية على الإنحناء ، دمتم على قناعاتكم حبا بالعراق .
عبود
رغم المرارة لكن السؤال الاول والاهم هو هل من مثقف عربي يصلح بضاعة للبيع من مات رعبا من استبداد الحاكم النفطي لا يصلح ان يكون بضاعة للبيع لا ثقافة في بلدان تعتاش من بيع النفط