TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > ترميم الذاكرة البَصَريّة

ترميم الذاكرة البَصَريّة

نشر في: 24 يناير, 2014: 09:01 م

(1 – 2)
ثمة أجيال، لعلها تبدأ من جيلي، لم تشهد التغيرات البنيوية، البشرية والاجتماعية والسياسية، التي مرت بتاريخ العراق الحديث، وهذا خلافاً للمولود سنوات الثلاثينات الذي كان عمره عشرين عاماً سنوات الخمسينات، وإذنْ عاش ورأى بأم عينيه الامتداد السوسيولوجيّ والعمرانيّ للحقب السابقة.
على المستوى البصريّ الذي يُنعش ويُرسّخ الذاكرة لأنه ينحفر عميقاً، ثمة غياب وتغييب حقيقيّ، بدءاً من جيلي في الأقل، لشرائح وظواهر عدة في التاريخ المحليّ، يترافق مع ظاهرة إلغاء السابق بفعل الانقلابات العسكرية والدكتاتورية التي ظلت، كما نعلم، تمارس تغييب آثار السابقين على كل صعيد، بل مسعاها المحموم لطمرها نهائياً: حاول العهد الجمهوريّ طمس ما يتعلق بالملكي، عائلة عارف سعت لطمس فترة عبد الكريم قاسم، حكم البعث جاهد بإطفاء كل عهود العراق السابقة. وفي كل مرة يأخذ (البَصَريّ) الحصة الأوفر في عملية الطمس والمحو. وأحسب أن الأعمال الفوتوغرافية التي وصلتنا من فترة قاسم مثلاً من الضآلة بمكان، مقارَنَةً بما يمكن أن يُوضع تحت تصرّف الأجيال الحالية.
هذه الظاهرة لا مثيل لها إلا في الأنظمة الفاشية وحدها، أو أنها تَمُتُّ إلى أنظمةِ حكمٍ ما قبل تاريخية، كما هو الحال في مصر القديمة حيث سعى فراعنة إلى طمس كلّ أثر بصريّ لفراعنة سابقين.
ظلت (سطوة البَصَريّ) من أهمّ الفاعلين في تاريخ الصحافة العراقية، إذ بقي الرقيب يتفحّص الصورة بدرجة مُضاعَفَة، حتى قرّر نظام البعث أنْ لا وجود في البلد إلا للبَصَريّ الذي يقرّره حصرياً. في حين كانت حيازة بَصَريّ يرقى لفترة أخرى أو إيديولوجية معارضة، تهمةٌ تعرِّضُ للتجريم والحبس. هكذا حَرَقَ أو دَفَنَ المعارضون، بل العوائل العراقية البسيطة، كل بَصَريّ يتَّهمه بعث العراق ويحرّمه، من صور قاسم مروراً بأغلفة دار التقدّم ، وصور كارل ماركس ومظفر النوّاب وليس انتهاءً بالصور الفوتوغرافية لأبنائهم المعارضين خارج البلاد.
أحسب أن التوثيق الفوتوغرافي ليهود العراق خضع للمنطق نفسه، فهل يُعقل أن أجيالاً كاملة في العراق لا تعرف، بصرياً، هذه الشريحة الفاعلة في التجارة والثقافة والسياسة؟. هل يخلو أرشيف الدولة العراقية من صور الطائفة الموسوية؟. لا بالطبع، فقد ذهب هذا الطمس بعيداً عندما تعلّق الأمر أيضاً بيهود العراق. وعلى سبيل المثال، فإن إحدى صور الملك فيصل الأول الشهيرة، إنما هي من تصوير المصور اليهوديّ العراقيّ (حوري) الذي بحوزتنا له مجموعة من البطاقات البريدية المصوَّرة لمختلف مناطق بغداد والعراق.
برهنت فترة حكم البعث خاصةً، أن الخشية من (البَصَريّ) كانت تتسم بطابع مُفْرط، مَرَضيّ، لأنها كانت تستميت بإزالته من الوجود، وهي تمارس سطوتها الفظة على صور المراجع الدينية الشيعية ورموز الحركة الوطنية كلها بلا استثناء، من قادة الحزب الشيوعي إلى رجالات وطنيين ،مثل الجادرجي وأبو التمن وغيرهم. صورهم القليلة في البرامج المتلفزة وكتب وزارة الإعلام المكرّسة لتاريخ العراق الحديث يومها، لا قيمة لغالبيتها بالمعاني الجمالية والوثائقية والطباعية. كانت نوعاً من ذر للرماد في العيون، لأنها تختار أسوأ الصور الفوتوغرافية، غير الواضحة، ذات الطباعة الرديئة، والتمثيلات والوضعيات التي لا تُعبِّر بدقة عن الشخصيات المعنية، رغم إمكانية نشر صور أخرى ذات كفاءة أفضل ودقة أعلى وتمثيل أصحّ. كانت تلك الصور نوعاً من (تلفيق فوتوغرافيّ) نظرا لعدم إمكانية منع الباحثين القطعيّ والجامعات من دراسة تاريخ البلد السياسيّ.
 يُتبع

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

العمود الثامن: السعادة على توقيت الإمارات

 علي حسين نحن بلاد نُحكم بالخطابات والشعارات، يصدح المسؤول بصوته ليخفي فشله عن إدارة شؤون الناس.. كل مسؤول يختار طبقة صوتية خاصة به، ليخفي معها سنوات من العجزعن مواجهة واقع يسير بنا إلى...
علي حسين

كلاكيت: عن (السينمائي) وعبد العليم البناء

 علاء المفرجي علاقتي مع (السينمائي) لها حكاية، تبدأ من اختياري لها لكتابة عمودي (كلاكيت) منذ عددها الأول، ولا تنتهي بعددها الأخير. ولئن (السينمائي) تحتفل بعشريتها الأولى، كان لزاما عليّ أن أحتفل معها بهذا...
علاء المفرجي

تركيا تواجه التحول الجيوسياسي الناجم عن عودة دونالد ترامب إلى السلطة

جان ماركو ترجمة: عدوية الهلالي في الأسابيع الأخيرة، ومع ظهور الديناميكيات الجديدة للجغرافيا السياسية لترامب، تركز الاهتمام إلى حد كبير على اللاعبين الرئيسيين في الساحة الدولية، بدلاً من التركيز على دول الطرف الثالث التي...
جان ماركو

منطق القوة وقوة المنطق.. أين يتجه صراع طهران وواشنطن؟

محمد علي الحيدري يبدو أن ملف التفاوض بين إيران والولايات المتحدة دخل مرحلة جديدة من التعقيد، ليس بسبب طبيعة الخلافات القديمة، بل نتيجة تبدّل ميزان القوى الإقليمي والدولي، الذي بات يفرض مقاربة مختلفة عن...
محمد علي الحيدري
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram