TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > المطمور بالعنف يظهر في ثقافة البلاد

المطمور بالعنف يظهر في ثقافة البلاد

نشر في: 11 يناير, 2013: 08:00 م

كتبت الشاعرة الموصلية منال الشيخ عبارة استوقفتني، واستشهدُ بها، آسِفاً أننا لا نستطيع إيراد مادتها كلها (وموضوع الاستشهاد الدقيق أو المجتزأ المغْرِض مجال مفتوح للنقاش)، تقول بمناسبة ما يحدث في الأنبار وبشأن العيساوي والمالكي، ما نصه: "طوال عمرنا نرى خارطة العراق موحّدة على الورق فقط ولكن لا صلة روحية بين الشمال والجنوب مهما ادعينا ذلك".

رد الفعل الآنيّ كان من قبيل: لعلنا كنا نعيش حباً روحانياً من طرف واحد، أو لعل الفتنة كانت نائمة، خائفة أو مُشْهرة طيلة تاريخ العراق الحديث وعلينا قول ذلك ولو بثمن التهمة عينها. وفي كلامي هذا، لاعترفُ، بعض الأسى والاشتعال الداخليّ والخوف من الطائفية. الصحيح في ظني، لو استطعتُ قول ما يمكن أن يكون فكرة منال الشيخ هو أن الاختلال الظاهريّ الراهن (أو تفكّك الصلة الروحية بين الشمال والجنوب على ما تقول) ناجمٌ عن "وحدة من الأعلى" بين مكوّنات ثقافية عراقية تمتلك التنوّع والاختلاف الموضوعيّ والتاريخيّ واللغويّ والإثنيّ الذي يجب أن يُؤخذ بالحسبان والذي لم يقع الاعتراف به منذ البدء صُراحاً، لصالح وحدة الوطن المبحوث عنها بشوقٍ وصدقٍ وعمقٍ في لحظة ما.

فكرتي هي: أن الدولة العربية الحديثة التي قامت باسم وحدة الوطن وقدسية ترابه بعد الاستقلال (من الدولة العثمانية أو من الهيمنة الاستعمارية الأوربية) قد قامت في جميع أنحاء العالم العربيّ بطمر جميع الاختلافات الكبيرة والصغيرة، بل قامتْ، في أسوأ النماذج، بعمل حفرةٍ جماعية، قبرٍ جماعيّ وطمرتْ فيه قسراً التنوّعات والاختلافات، وزعمتْ أن لا وجود لأيّ شقاق أو اختلاف البتة. لقد قُضى عليها بأشدّ أدوات العنف بطشاً، وقُلّص الاختلاف دليل الثراء الثقافيّ.

عندما ضعفتْ نبرة التحرّر من الاستعمار، وبالتوافق، منذ السبعينيات في الأقل، مع مفاهيم الاختلاف واليسار والوجودية والنسوية والتحرّر الجسديّ وقول المُضْمر السوسيولوجي والمسكوت عنه، فقد برز بقوة المطمور والمسكوت عنه. يظهر ذلك في العراق بشكل واضح. وقبله في حرب لبنان الأهلية الذي لم يفهم بعض العرب يومها بل استهجن بزوغ المسكوت عنه والمختلِف فيه. ثم ظهر في مصر بين الأقباط والمسلمين، وفي المغرب العربيّ بشكل هادئ غالباً لكن حاسم بين المكوّنات البربرية والعربية، .. الخ. وسيظهر حتى في السعودية مثلاً لو تضعضعت الدولة المركزية فيها، بالضبط كما حدث في العراق ومصر ولبنان والجزائر. تعبّر المكوناتُ المهمّشة أو المقموعة أو المُعتبرَة غير ذات شأن بسبب السلطة والسطوة الروحية أو المالية أو الإعلامية عن نفسها، باضطراب أحياناً وعبْر مستثمر خارجيّ أو كليهما.

إذا ما استغراب البعض، خاصة في منطقة الجزيرة العربية، حدوث ما يحدث على أساس خلو بلدانهم من النزاعات الطائفية أو العرقية، فلأنهم ما زالوا يهمّشون أو يقمعون ما لا يجب تهميشه، وسيُعبِّر عن نفسه يوماً في الفضاء الثقافيّ والسياسيّ الهادئ والمنوَّم، والسعيد بترفه وعائداته الذي يُعتقد، لهذا السبب،  أنه من دون "عقلية خرافية ومذهبية" كالتي تظهر هنا وهناك في العالم العربيّ. هذه العقلية لم تُناقش هناك حتى الآن علناً، كما يعرف الجميع.

لا يفكِّر البعض بالطمر القسريّ الواقع قطعاً، لصالح "واحدية" بل "وحدانية" تتجلى على كل صعيد آخر، وفي كل أنواع الخطاب، الدينيّ والسياسيّ والجنسويّ حتى لو وقع الزعم بقبول الاختلاف ظاهرياً. الاختلاف المقبول شكلياً يقع ضمن منظومة الواحدية التي تمنح لرأيها السيادة المطلقة وتهمِّش الرأي الآخر: الجبهات الوطنية قادتها أحزاب بعينها، والدول الدينية تقودها مذاهب بعينها، والفضائيات تروِّج لاتجاه ثابت وهي تناقش ببراعة "الاتجاه المعاكس". وقسْ على ذلك.

المطمور بالعنف يظهر في ثقافة البلاد، آجلاً أو عاجلاً إذا لم يُحترَم ويُناقَش ويُحَلّ.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

تجمع تجار العراق يعلن إغلاق الأسواق احتجاجاً على الرسوم الكمركية

لقاح مبتكر للإنفلونزا قابل للتعديل حسب السلالة

عُمان تجري مشاورات منفصلة مع إيران وأميركا لتهيئة استئناف المفاوضات

تحرير مختطف واعتقال 10 من خاطفيه في النجف

انتهاء المرحلة الأولى من مفاوضات واشنطن وطهران

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي يتظاهر.. المالكي يتحاور!

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

الدبلوماسية العراقية في ظلال البعث

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

العمود الثامن: يوم المليون

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

 علي حسين خرج علينا السيد نوري المالكي بتصريح مثير اخبرنا فيه ان " سوربا آذتنا كثيرا يوم كان بشار الأسد رئيسا صارت مركزا للتدريب وممرا لكل الإرهابيين الذي دخلوا العراق وقتلوا وخربوا وفجروا.....
علي حسين

كلاكيت: التسويق الكبير والاعلان وترشيحلت الاوسكار

 علاء المفرجي بشكل عام، ترشيحات جوائز الأوسكار لعام 2026 (الدورة 98) أثارت جدلاً واسعاً بين النقاد والجمهور، حيث تعكس توازناً بين الإنتاجات الهوليوودية الكبرى والأعمال المستقلة، مع تركيز ملحوظ على التنوع الثقافي والقضايا...
علاء المفرجي

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

جورج منصور منذ عودة دونالد ترامب إلى واجهة المشهد السياسي الأمريكي، عاد معه خطابٌ صداميٌّ يقوم على الإقصاء ورفض الآخر، مُتّكئأً على نظرة مصلحية ضيقة لا تعترف بالقيم التي رفعتها الولايات المتحدة شعارات لعقود،...
جورج منصور

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

رشيد الخيون أيد الكثيرون مِن العراقيين «فيتو ترامب» ضد ترشيح نوري المالكيّ رئيساً للوزراء للمرة الثَّالثة، وهو تأييد مغلّف بالخجل، لمَن هو ضد أميركا وتدخّلها، وضد المالكي أيضاً، فحزبه «الدَّعوة» ترأّس الوزارة ثلاث مرات:...
رشيد الخيون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram