يمكن أن تكون الشذرة أمراً من ثلاثة: إنها جزء من عمل أطول غير مُكتمِل قصداً (أو لم يكمله مؤلفه عن غير قصد)، مقتطفات متبقية من أعمال كبيرة ضائعة، إنها أعمال مبنية عمداً لكن تكون كِسَراً وشظايا أدبية. والأخير هو الذي نقصده اليوم. الشظايا الواصلة من اليونان ومن العصر الوسيط الأوروبيّ، ليست سوى فقرات أو جُملٍ مُقتطَعة من نصوص كبيرة مفقودة لسبب من الأسباب: التغيرات الثقافية والسياسية، الحرائق، الفيضانات، ضياع المخطوطات الأصلية... الخ. لذا فهي لم تُكتب أبداً بالأصل على هيئة شذرة. في التراث العربيّ يمكن الوقوع بالأحرى على شذرات غير مُقتطَعة من نص أطول منها.
في أوروبا، لعبت الشذرة المُتعمَّدة، الشظيّة المكتوبة بصفتها شظيّة، دوراً هاماً في الأدب الرومانتيكيّ. فقد ركّزت الحقبة الرومانتيكية الألمانيّة على هذه الشذرات بصفتها أمراً أدبياً مخصوصاً، كما في أعمال الإخوة أوغست وليام وفريديريك شليغل، والأشهر من بين هذه الشذرات تلك المسماة بالألمانية "شذرات [مجلة] أثينيوم" (Athenäumsfragment 116) لفرديريك شليغل التي قدَّمت لنظرية الشعر الرومانسيّ على المستوى العالمي. المجلة صدرت بين الأعوام 1798- 1800. وفي رأي شليغل يتوجب على الرواية أيضاً أن تظل محض مقتطعات. يبدو شليغل المُنظّر الأبرز لفكرة الشذرة، يقول: "عدة أعمال من الماضي صارت شذرات، وعدة أعمال حديثة هي شذرات في وقت كتابتها". ويتحدث في كتابه (قراءات في تاريخ الأدب القديم والحديث) 1815 عن أن "نشاطه تَقدَّمَ بوضوح من الشذرة إلى النسق"، مشيراً إلى "روح geist الشذرة" التي لا تشكّل نوعاً أدبياً منفصلاً لكن أمراً واقعاً: واقعة. نقترح قراءة مقالة الياباني أوتاب تانهيسا بالإنكليزية: "فرديريك شليغل وفكرة الشذرة: مساهمة في الجماليات الرومانتيكية"، لرؤية الأهمية القصوى لشليغل في صياغة مفهوم الشذرة الجماليّ في الأدب الحديث.
يتحدث المعنيون عن حضور الشذرة في الأدب الإنكليزي منذ نهاية القرن الثامن عشر، ويقدّمون مثالاً لذلك قصيدة صاموئيل تايلر كوليردج غير المُكتمِلة التي كتبتْ عام 1797 ونشرتْ عام 1816 بعنوان "قبلاي خان، أو رؤية في المنام: شذرة". في إيطاليا القرن التاسع عشر تعتبر كتابات الشاعر جياكومو ليوباردي من نماذج الشذرة: مذكراته الفلسفية الضخمة "زيبالدونه" الصادرة عام 1900.
يجري الحديث في يومنا عن "أدب الحدّ الأدنى" أو "القصة المكروسكوبية" أو "الأشكال المُقتضَبة" التي سيعارضها مارسيل بروست، كما يعلّق كاتب فرنسيّ ساخراً.
هذا الاقتضاب قاد إلى الخلط بين الشذرة والهايكو اليابانيّ، وهو شكل شعري ياباني مُشفَّر للغاية: قصيدة قصيرة، في غاية الاختصار تستهدف قول مفهوم زوال وتلاشي الأشياء (من هنا عنوان مجموعة سامي مهدي "الزوال" دون إشارة من طرفه). لا يكتفي الهايكو بوصف الأشياء، إنما يتطلب انفصال المؤلف عن موضوعه، ويُترجم إحساساً فورياً، ولا يَستبعد الطرفة ومجازات البلاغة لكن بتقتير شديد، ويستدعي القراءة بنَفَسٍ واحد وبصوت عالٍ، ويدعو إلى التأمل. وعلى قارئه أن يخلق صورته الخاصة به لأن الهايكو لا يَصِفُ بل يَستحضِر.
الجامع الوحيد بين الشذرة والهايكو هو الاختصار. وهذا أمر كميّ وليس نوعياً. حكمته الهايكو مُوحَى بها من بعيد، ولا يُصَرَّح بها، فهي واقعة في طبقة نائية، وهو لا يستهدف أن يكون غير مُكتمِل، فهو يتضمّن اكتماله والتمامه على نفسه عبر تقديمه للمشهد بدقة متناهية ورهافة إيقاعية، بينما لا تتضمن الشذرة هذا الالتمام الداخليّ، بل العكس من ذلك تبدو وكأنها تسعى، عبر عدم التمامها وعدم اكتمالها، للانفتاح على المعاني التي وقع قول بعضها فحسب.
الهايكو ليس شظية، إنه بنية مُحْكَمَة غير متشظية. والشذرة كٍسرة متبقية من بناء افتراضيّ لا نعرف، أو نخمّن فحسب هيئته الأصلية، ولعلنا لن نستطيع معرفته إلا عبر استقراء مجموع أعمال المؤلف. شكلياً: الهايكو بنية مغلقة والشذرة بنية مفتوحة، وشتان بين الأمرين. تقع الشذرة، في نهاية المطاف، ضمن مفهوم عريض للشعرية، بينما يقع الهايكو في مفهوم الشعر الأكثر تقعيداً، بل الصارم الشروط، وزنياً ومعيارياً.
يُتبع
شعرية "الشذرة" أم شعر الهايكو؟
نشر في: 4 أكتوبر, 2013: 10:01 م