إنّ استخدام الريع النفطيّ في الحقل الثقافيّ، بوصفه وسيلة للترويج لسياسات وإيديولوجية وثقافة الدولة، هو ابتداع طوّره وبرع باستخدامه النظام العراقي السابق، دون شك عن جدارة، ومن خبراته يغترف الجيران، بل جميع الأنظمة في العالم العربيّ على أوسع نطاق اليوم، وإيران أيضاً.
عندما كان المثقفون العرب على بعض المسافة من رأس المال النفطيّ، كانت سياسيات تلك البلدان تخشاهم بعض الخشية في الأقلّ. عندما اشترى أضخم المؤسسات والمنابر المتلفزة، اشترى توسُّعاً الكثير، بل الكثير جداً من الأقلام والأصوات الثقافية العربية، ولم يعد يقيم لها وزناً قطّ.
لو كان ما نقول هنا صحيحاً فالحقيقة مؤلمة، لكنها نصف الحقيقة. النصف الآخر الذي يتوجّب قوله بإنصاف هو أن هذا الريع اُسْتُثْمِر أيضاً بالثقافة بأنواعها جميعاً. تأتي اليوم أكبر الجوائز الثقافية وأهمها من منطقة الخليج والسعودية: جائزة الشيخ زايد للكتاب، جائزة خادم الحرمين الشريفين العالمية للترجمة، جائزة الإبداع العربيّ (مؤسسة الفكر العربيّ)، جائزة مؤسسة العويس الثقافية، جائزة عبد العزيز سعود البابطين، جائزة السلطان قابوس للإبداع الثقافيّ، جائزة دولة قطر لأدب الطفل، جائزة راشد بن حميد للثقافة والعلوم، جائزة الملك فيصل العالمية، جائزة الدولة القطرية التقديرية والتشجيعية.... الخ. والعديد من المؤسسات والمهرجانات والجوائز الفرعية نذكر منها فحسب مشروع كلمة للترجمة، وجائزة الشارقة للبحث التشكيليّ، ومهرجانات المسرح وجوائزه في الشارقة والسينما في أبو ظبي.
هذا الجوائز والمهرجانات لا يطغى عليها بالضرورة، الطابع الإعلاميّ والدعائيّ، والعديد منها ليس من الوزن الخفيف، ويساهم في محكّميها والمتبارين فيها بعضٌ من أهمّ الباحثين والمبدعين العرب في جميع الاختصاصات.
ما هي المشكلة؟. في ظني أنها مشكلتان، الأولى نفسية: خلق حالة من الهلع في الوسط الثقافيّ العربيّ الذي يهيمن عليه دون شك رأس المال هذا، يتمثّل بالتهديد والمنع وقطع لقمة العيش والاستبعاد من كل بحبوحة عائلية، سفراً وإقامة ونشراً، في جناتٍ مالية وعمارية على نمط دبي والرياض. وبالتالي خلق حالة من الإخصاء الرمزيّ (على ما قد يقول سيغموند فرويد) في الوسط الثقافيّ العربيّ تتجلى بصمته المريب المطلق عن كل سياسةٍ وممارسةٍ يقوم بها أرباب رأس المال، وبعضها فاحش ويتناقض جوهريا مع وعي وضمير وشرف المثقف النبيل: دعم داعش مثلاً والقاعدة بالتوكيل، وهو ما يعرفه هذا الوسط يقيناً. والثاني، مشكلة عمومية تنبثق من الأولى: عدم قدرة ولا رغبة رأس المال هذا بقبول (دور نقديّ للثقافة). ثمة استبعاد لكل صوت نافر لا يسير على الصراط الذي يختطّه بخفاءٍ لكن بصرامةٍ، ستراتيجيو رأس المال والمتعاونون معهم ثقافياً.
كلا الأمرين خلق انطباعاً قوياً عند المتحكّمين بالريع النفطيّ ثقافياً أن كلّ مثقف عربيّ صالح للبيع والشراء، دون استثناء، وهو ما يشفّ أحياناً من طريقة السجال المتعالية لبعضهم مع من يختلف معه حول هذا الأمر أو ذاك.
إن نتائج (الهلع) و(الإخصاء) لا يحمد عقباهما في عالم الثقافة الذي يحتاج بالضرورة إلى الحرية والطلاقة والأريحية والاختلاف من جهة، ويمتلك حساسيته وهشاشته وجماليات رؤاه من جهة أخرى.
المشكلة إذنْ عويصة مع غياب التقاليد الثقافية العريقة، وأجواء التخلّف العامّ، وغياب المعايير الأخلاقية، وحضور الصراعات الجيوسياسية الحادّة في المنطقة. الأمر الذي لا ينفي أن المسؤولية تقع على المثقف في المقام الأول، وليس على الريع النفطيّ الذي يشتغل بالطبع لحساب سياسة منفقيه، في المقام الرئيسيّ.
هل تستطيع الثقافة، في الأقلّ، تعديل وتخفيف أهواء وأخطاء هذا الريع؟
الريع النفطيّ ثقافياً
نشر في: 17 يناير, 2014: 09:01 م
جميع التعليقات 1
قارئه
ألمشكلة ذاتها بمحوريها العتيدان ألمثقف الجسور ، والمال السياسي المخبول ، وعِبَر التاريخ تنبؤنا بغلبة الثقافي على الخبل ألمالي ، دامت الثقافة بكم .