إذا لم يكن في مفردة (العرب) تعميم قومانيّ مُفْرْط غير مرغوب به، وإذا ما زالت صالحة للاستخدام للتعبير عن الظواهر الثقافية والاجتماعية والسياسية العريضة لجماعة بشرية محدّدة ومعرَّفة، وليس عن أشخاص متفارقين ومارقين وهامشيين، مهما بلغ عددهم، فالسؤال هو التالي: ما هو مشروع العرب الحضاريّ للعالم وللعالم العربيّ، لكي يرفضوا مشاريع الآخرين (مشاريع إيران مثلاً وأوربا وأمريكا وروسيا والصين وحتى أندونيسيا) بكل هذا العنف الدمويّ والطغيان العلنيّ المشهود له، بل الاستهتار المؤسف بالأرواح والقيم المادية والمعنوية؟. هذا لا يعني أننا قط مع مشاريع الآخرين، بالطبع.
لا يلوح في الأفق أي مشروع حضاريّ عربيّ مقدّم لأنفسهم بصفتهم جماعة بشرية وللآخرين في العالم. يقوم المشروع المناهض لمشاريع الآخرين الجيو-بوليتيكية (كإيران مثلاً وخاصة اليوم، ومرة أخرى نحن لا ندافع عنه) على عناصر طائفية يراها حتى الأعمى، وليس شيئاً كبيرًا سوى ذلك. وهذا الأمر يُكْلِف دماً عبيطاً كثيراً. طوبى لمن يستطيع البرهان خلاف ذلك. الحوار الدمويّ مع مشروعها يقوم فقط على العناصر الجوهرية، الطائفية نفسها لكن من الطرف الآخر. علينا القول دون مراوغة إن الخطاب الدينيّ من جهة إيران أو من الجهة الأخرى لن يستطيع البتة تقديم مشروع حضاريّ ومدنيّ وسياسيّ حديث، مهما تشدق المتحاورون بجميع أنواع الخطابات الفلسفية المعاصرة والقضايا الروحية الكبرى والمشكلات العادلة غير المبتوت بها.
إن أنساق الطائفة، أو العشيرة أو الدولة- القبيلة، والنظام الدينيّ المستند إلى إلغاء وقمع الطوائف (المارقة الأزلية الأخرى) لا تستطيع إقامة مشروع حضاريّ كما يعرف الجميع، هذه الطوائف، من هذه الجهة أو تلك لن تدفع الجزية بالطبع لأحد.
إذنْ ما هو مشروع العرب الحضاريّ الرفيع البديل اليوم، وهم يتقاتلون بالدم العبيط وفق أجندات موضوعة لم يساهموا كثيراً بتأملها وصياغتها؟.
في جميع التفاصيل التي نشهدها يومياً، يبدو وكأن مشروع غالبية العرب المعاصرين للعالم العربيّ يقوم على (الكراهية) والنفي وليس (الحبّ) والتسامح والقبول بالاختلاف. الدم اليوميّ الراهن شاهد على ذلك، الدم الجاري بدعم من بعضهم والدم المراق من طرف الدكتاتوريين الذين طالما دعمهم الكثير من العرب المساندين للثورات الراهنة، والجاري أيضاً بسبب الدكتاتوريات الجديدة القادمة من (التغيرات) المستحدثة كما في العراق و(الربيع) الخامد هنا وهناك. هذا ليس مشروعاً حضارياً لمستقبل أحد، قط.
القبول بالاختلاف يبدو وكأنه مادة للمماحكة، وإلقاء الحجة على (الآخر)، قبل أن يكون يقيناً وبداهة، تدافع الثقافة العربية السائدة عنه.
كل هذا انتهى إلى طريق مسدود بحيث تبدو المنطقة الناطقة باللغة العربية وهي تجلس على عتبة التاريخ: لا هي دخلت إلى داره ولا هي انتهت إلى موات كامل في العراء. بعضهم تجنبّاً لورطة الجيران الذين يشترك معهم ثقافياً وتاريخياً، يجد في البقاء تحت "السقف المحليّ" ملاذاً آماناً من شرور هذه العتبة الدرامية. الأيام تثبت إنه ملاذ صعب ولعله متوهّم كما يبرهن العنف عابر الحدود، والسلفيات الإسلامية المعولمة.
كل المشاريع في المشرق والمغرب تؤكّد حقيقة غياب أي مشروع حضاري للشعوب الناطقة بالعربية، رغم تضحيات أفرادها ونقاباتها وأحزابها الوطنية وفعل مثقفيها ومفكريها، وتضحياتهم الجسام ، بل العظيمة بجميع المقاييس.
لو كان ما نقول أو بعضه صحيحاً، فالمأزق حقيقيّ. وقد ساهمت دون شك الأحزاب القومانية للعرب بصناعته، وتكرّسه اليوم الجماعات الدينية، وفي معمعته يتذبذب المثقفون بين صامت ومشترىً وغافل ورابح وملتاع وقابع تحت "سقفه" الافتراضيّ.
لو كان ما نقول أو بعضه صحيحاً، فمأزق العرب (إذا ما كان أخيراً للكلمة من معنى بعد)، مشترك وجسيم، لكن لا يستحيل الخروج منه.
ما هو مشروع العرب الحضاريّ للعالم ولأنفسهم؟
نشر في: 9 مايو, 2014: 09:01 م
جميع التعليقات 1
أوس حسن
على مستوى الثقافة والفكر والفن والسياسة وعلى جميع الأصعدة .. العرب استهلاكيون بامتياز .منذ بداية القرن العشرين هل أنتجنا فكرا ؟ هل كان لدينا مشروع سياسي وطني واضح ابتدعناه نحن؟؟ /حتى مشاريعنا الثقافية استوردناها ،النظريات العلمية ..الصناعة ..الإقتصاد...ا