هاجس الهايكو المُلحّ اليوم في الثقافة العربية يستلزم توضيحاً إضافياً من داخل جماليات الفن اليابانيّ التي قدّمنا لها تمهيداً في العمود السابق. علينا أن نضيف أن مبدأ (الوابي – سابي) يحتل في البانثيون اليابانيّ الوضعية نفسها التي يحتلها قانون الجمال المثاليّ اليونانيّ. فإذا كان بإمكان الشيء المعنيّ أو التعبير أن يُوْقِع في داخلنا، شعوراً من الاكتئاب والشوق الروحيّ، فبالمستطاع القول إن هذا الشيء هو وابي – سابي، وهو يتضمّن الاعتراف بثلاثة حقائق بسيطة: لا شيء دائم، لا شيء منتهٍ ، ولا شيء كامل.
حوالي القرن الرابع عشر الميلادي بدأت معاني (الوابي – سابي) تتغيّر، فالوابي انطوى على البساطة الريفية، والنضارة والهدوء، وكان يمكن تطبيقه على الأشياء الطبيعية والأخرى المصنوعة من طرف الإنسان، أو على الأناقة قليلة الشأن. وكان يحيل إلى الغرابة الخارجة عن المألوف الناجمة عن عملية البناء القصديّ، وهو ما يُضيف التفرُّد والأناقة. أما السابي فكان يعني الجمال أو السكون القادم بالتقدُّم في العمر، ويتّضح في الصدأ والبلى، أو في الترميمات والتدخّلات. عند طبقة النبلاء اليابانية، وقع الاحتفال منذ حوالي 700 سنة تقريباً بالفراغ وعدم الكمال بمثابة المُعادِل لأولى مراحل الساتوري أو الإشراق. في كُتُب الفن الحالية، عادة ما تعرَّف الثنائية بأنها "الجمال المنقوص [أو المُعاب]".
الجدير بالانتباه هو أن (وابي – سابي) لا تشكّل ثنائية بالمعنى الذي نعرفه عن مفارقات وتناقضات الثنائيات الموضوعة وجها لوجه: الجميل مقابل القبيح، الشرّ مقابل النور، الضوء مقابل العتمة. ففي الفكر الآسيوي عموماً كما في الطاوية، لا معنى لهذه الثنائيات. في الشعار الشهير للطاوية الصينية (تايجي تو)، أو ثنائية الين واليانغ، يرمز الأول للجانب الأنثوي للطبيعة، والثاني اليانغ للجانب الذكوريّ فيها، وهما فئتان مُكمِّلتان لبعضهما وليستا منفصلتين. كلّ منهما يحمل بذرة الآخر في داخله، الترابط بينهما لا يُتيح إدراك الأول دون إدراك الآخر، وعلاقة التوالُد والتغيُّر بينهما تصير كالنهار يحلّ محلّ الليل على التناوب.
يظهر السابي في أنواع يابانية تقليدية عديدة، منها طقوس الشاي وكتابة الهايكو. وقد حدّده الشاعر باشو بأنه "حالة من البساطة ونكران الذات والسلام والشرط الأول لفهم حميم للعالم من خلال التأمّل". ويُطلق على أعلى مستوى من مستويات سابي تسمية الكارومي التي يلخّصها باشو بأنها "نهر ضحل على سرير من الرمال". يشدّد الوابي من جهته في شعر الهايكو على الشعور الجذريّ بالهدوء والحزن الهادئ، ورفض البهرج لصالح البساطة الريفية وضبط النفس. وإذا ما كانت الكلمة تعني في الأصل "الفقر"، فقد تمّ استخدامها بعد ذلك لتعريف الحرية المكتسبَة عبر تجاهُل الرخاء والوفرة، فهي تعبِّر عن الجمال المنسلخ المتوائم مع الطبيعة الذي يثمِّن الأشياء الزهيدة. الوابي – سابي لذلك ثنائية تعزّز الانسجام مع الطبيعة، ذلك أن التعبير عن الجمال لا يسعى إلى تقديم تمثيل مُصطنَع للطبيعة من شأنه أن لا يُظهر أي عيب، ولكن تقديم العفوية وغياب الادعاء من النقص الطبيعيّ. إنها ليست محاكاة للطبيعة قط.
عندما يكتب شاعر الهايكو شعراً يمسّ ثنائية الوابي - سابي فإنه يحاول غالباً القبض، في آن واحد، على الجمال الزائل والخصائص المقيمة فيه. يُنْتِج الهايكو الرفيع وضوحاً في الإدراك ويُري القارئ الموضوعَ المُعالَج بدقة، كأننا أمام رغبة في إصلاح أو إيقاف آثار الزمن أو الخبرة أو السن. كل شيء إنما هو الطريقة التي يمشي وفقها، وهو عيوب الشيء، وكلاهما في الوقت نفسه. عند الحديث عن الهايكو، يُطلق بعضهم على الوابي – سابي اسم (جمالية العزلة) لكأن الاعتزال في كآبة الطبيعة نوع من الحنين إلى المطلق، ولكن "المطلق" ليس من مصطلحات الزن، وهنا اختلاف جذريّ آخر مع مفاهيم الفلسفتين اليونانية والعربية- الإسلامية.
ملاحظات أخرى عن الشعر اليابانيّ.. والهايكو خاصة
نشر في: 8 أغسطس, 2014: 09:01 م