(1-2)
كتب بعض قرّاء المدى لنا أن العرض الذي قدّمناه بشأن (قانون الجمال الصينيّ) كان مستعجلاً، وبحاجة إلى إيضاحات لكي يكون أكثر فائدة. وفي الحقيقة هذا العرض مستلّ من درسنا الجامعيّ الموسّع لطلبة الماجستير في إحدى الجامعات التونسية. فقد ظهرت لنا، رويداً رويداً، كما الكثير من المعنيين، ضرورة الالتفات إلى (جماليات) أخرى مغايرة للجماليات الأوربية المستمرّة حتى اليوم منذ زمن الإغريق. لا شك بأن هناك (حسّاسية) جمالية آسيوية، لعل السينما اليابانية تعبُّر عنها على صعيد آخر خير تعبير.
وَضَعَ (قوانين فن التصوير الصينيّ الستة) مؤرّخ فنيّ صينيّ من القرن الخامس الميلادي، أي عند ظهور الديانة الإسلامية بالضبط، اسمه (سيي هو كان حيّاً بين 500 – 535م). تجاوزنا في الكلمة السابقة القانون القائل بأن (فن التعبير عن البُنى يتمّ عبر الفرشاة) الذي يترجمه آخرون بـ (براعة لمسة الفرشاة). ويقع في أن (الخط) الخارجيّ هو أساس الرسم الصينيّ، وهو أكثر أهمية من لعبة الظل والضوء في التصوير الأوربيّ. يعتقد الصينيون أن براعة تطويع الفرشاة المصنوعة من قبضة خشبية ومزوّدة بشعيرات من الحرير بالغ النعومة تمتلك أهمية استثنائية. يكفي أن يشاهد المرء رسّاماً صينياً أثناء عمله لكي يتحقق من أن العلاقة مع الفرشاة ليست علاقة مع أداة جامدة، إنما هي جوهر وتلخيص لعمل الفنان. هنا يتعلق الأمر كله بالحرفة اليدوية التي تمنح الحياة للعمل بحيث أن مؤرخا فنيا صينياً آخر قد وصف الفرشاة بأنها (امتداد للذراع وللأحشاء وللروح)، ووصفها ثالث بأنها (دمغة القلب).
الفرشاة هي عينها الأداة الأولى لفن الخط ولفن الرسم غير المنفصلين عن بعضهما في الصين، ولعلهما يشكلان أمراً واحداً، حتى يمكن القول أن الرسم يحيل إلى فن الخط تقنياً وجمالياً، لجهة الوسائط المستخدمة (ورق، حرير... الخ)، وللتقنيات الكامنة كلها في الأثر الذي تُوْقِعه الفرشاة على السطوح. أصلهما الواحد يعني أنهما يتشاطران الفلسفة نفسها الميّالة ليس إلى (الجَّمال) بالمعنى اليونانيّ وحتى الإسلاميّ، ولكن إلى ما هو طبيعيّ، الحسّاسية الكامنة في الطبيعة. النتيجة أن هذا الوعي يمنح جمالية غير منشغلة بالتشابه الشكليّ والقياسات الموضوعية للأشكال. المُشابَهة أم التطابُق؟.
هنا مسألة إشكالية بالنسبة لنا نحن المتعوِّدين على (قانون الجمال الإغريقيّ). فإن المثال الأعلى للرسم الصينيّ في القرن الرابع الميلادي كان (تمثيل الروح عبر الشكل)، وبمرور العصور كان هناك ميل لتقديم المُشابَهَة مع الأشكال المرئية، وليس دائما بالمعنى الإغريقيّ، فلنقلْ كان هناك ميل لتقديم نوع من المُشابَهة كالتي نراها في المنمنمات الإسلامية، لكن في القرن التاسع الميلادي تقريباً وقع تجاوُز هذه المبدأ نحو (الترميز) لخصائص المرئيات، أكثر من مشابهتها الحرفية. لذا وجدت الجماليات الصينية نفسها أمام أمرين متوازيين: الإخلاص للعالم الخارجيّ من جهة، وتوصيف الأشكال المرئية من جهة أخرى، فكان سؤالها الحاسم الذي لا يطرحه الإغريق بالضرورة: ما الأكثر أهمية، هل الدقة الوصفية العالية أم حرية التعبير؟. هذا النمط من التفكير يبدو مساءلة معاصرة عن جدارة. يتفق جميع الرسّامين الصينيين بأن موضوع الرسم يجب أن يكون معروفاً على الفور من طرف المشاهدين، ولكن من بينهم من يظلّ يؤمن بأن (روح الأشياء) هي الأكثر أهمية من أيّ مبدأ آخر، بل أن مؤرخاً فنياً صينياً من القرن التاسع الميلادي كان يشدّد على أن فناناً قادراً على الإشارة إلى الحياة واستنطاقها يتوجّب عليه امتلاك موهبة وصفية، سوى أن نسّاخاً بارعاً للأشياء لا يستطيع دوماً الإلماح واستنطاق جوهر هذه الحياة.
في هذه الأسئلة ثمة مقاربات مُماثلة لإشكاليات الفن الإسلاميّ، مع فارق أن الإسلاميّ كان يخشى التصوير التشخيصيّ، ولم يطرح عليه أسئلة بوضوح وجرأة الرسم الصينيّ التقليديّ.
قلتَ: قانون الجَّمال الصينيّ؟
نشر في: 5 سبتمبر, 2014: 09:01 م