TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > "صورة الفنان" في ثقافتنا

"صورة الفنان" في ثقافتنا

نشر في: 14 نوفمبر, 2014: 09:01 م

ما هي "الصورة" الشاخصة للفنان في ثقافتنا العربية؟. المثير في البدء أن مصطلح (فنان) يذهب في المخيّلة الجماعية إلى الرسّام والنحّات والممثل والموسيقيّ أكثر مما يذهب إلى الشاعر والأديب والكاتب. يصير فهم هذه الصورة، في الغالب الأعمّ، رديفاً ودليلاً على فهم العمل الثقافيّ نفسه وطبيعته الداخلية، ووظيفته المأمولة المعقّدة، وتصوُّر (الفنانين) لطبيعة العمل الثقافيّ ودوره، وتصوّرهم بالتالي عن أنفسهم ومجايليهم من المبدعين وغير المبدعين.
فلنبق إذنْ في سياق الفنّان التشكيليّ، ولنر أيّة صورة مرسومة له في المخيال الجماعيّ العربيّ، أي في الإجماع المريح، وأيّ صورة يقترح الفنان هو نفسه لنفسه. أول ملامحها: غريب الأطوار عموماً، بسلوك يخرج عن المعيار العام، يضاف لذلك أحياناً هيئة ومظهر خارجان عن المألوف، تسريحة شعر غريبة، ولباس لا يتقيد بالمعايير السائدة،، مع جميع ما يعزّز هذا الانشقاق عن العرفيّ والمعياريّ. لا حق لأحد أن يناقش حرية محض فردية بهذا الشأن، لولا أنها تصير اليوم نوعاً من (التقاليد) بدورها و(الأعراف) التي يلتزم بها الفنانون في مشرق الأرض ومغربها، خاصة مشرقها.
في السياق التاريخيّ، كان هذا الانفلات، في أوقات سابقة، دالةً ودليلاً على رفض ثوريّ مُعْلَن للأخلاق البرجوازية في أوربا، ومعاييرها الأخلاقية والتزاماتها الشكلية التي فقدتْ في لحظةٍ ما كلّ محتوى حقيقيّ، فصارت في تناقض مع ممارساتها الفعلية غير المُعْلَنة. يتعلق الأمر تاريخياً بحركة مناهضة للأخلاق البرجوازية، انطلقت بقوة في القرن التاسع عشر، واستمرت طويلاً في القرن العشرين، لكن من المشكوك به، في السياقات الاقتصادية والثقافية المُعَوْلمة الراهنة، أن تكون مبرراتها قائمة بعد بالفعل. الصورة ما زالت شاخصة لكن ليس لها دائماً أسبابها ومبرراتها.
لو تتبّعَ المرءُ سيرة رامبو الشاعر مثلاً، وخاصة الرسّام لوتريك لرأى أن السياق كان مواتياً ومبرِّراً لجميع غراباتهم على صعيد خيار التمرّد الشخصيّ: لباساً ولغةً وانفلاتاً، أيّ على الصعيد الشكليّ الخارجيّ، أما على الصعيد المفهوميّ الجوهريّ، فقد كانوا يمتلكون معتقدات ومفاهيم تذهب باتجاه معاكس للتيّارات والأنساق والأنماط الجمالية الرائجة. كانوا متمرّدين في الجوهر والشكل كليهما. لم يكن إعلانهم عن تمرّدهم ترويجاً لعظمة مفترَضة أو تميّزاً عن معاصريهم أو إعلاناً عن تفوّق أبداعيّ مقترَح ضمناً على الآخرين من المبدعين والمارة في الشارع على حدّ سواء. ماذا إذنْ عن شريحة كبيرة من الفنانين عندنا؟.
كثيرٌ منهم من المبدعين الصادقين، وهم لذلك غرباء روحياً وثقافياً عن السياق العام الذي لا يُسرّ. لكن الكثير الآخر، يفيد من (صورة) مُسْبَقة الصنع للفنان، دون مستلزمات جوهرية، سوى المظاهر البرانيّة التي تصير بديلاً عن الفعل الثقافيّ العميق المناهض للمتخلّف، العرفيّ والمعياريّ. بعض الفنانين، رغم هذه التمظهرات المارقة، يقف عملياً في صلب العرفيّ والمعياريّ على الصعيد الجماليّ والسياسيّ بل حتى اليوميّ. أي أمثلة ملموسة يمكن أن نطرح للقارئ؟. يمتلك القارئ في العادة مَلَكَة التمييز وخبرة التجربة.
"صورة الفنان" في ثقافتنا ما زالت مثقلة بما لم يُناقش، وما لا يُفْرِح أحياناً، وأحد أسباب ذلك يقع في حداثة عهدنا بالفن التشكيليّ، وبالتالي التباس (الوضعية) الاجتماعية والثقافية التي امتلكها مبدعٌ لا جذر راسخاً لإبداعه في تاريخ ثقافتنا القديم. ثمة (مصوّرون) في تاريخنا بالطبع، لكن ليس (حركة) عريقة مستمرّة لفن التصوير كما هو الحال في أوربا. هذه الحركة المعقّدة السجالية هي التي أنتجتْ (صورة الفنان) التي نتحدّث عنها، ونقلّدها. الجدارة التي أثبتها الكثير من رسامينا، لا تنفي هذا الغياب الذي لعله سبب من أسباب اختلاق نسخة محلية عربية ملتبسة لأصل (الصورة).

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ضبط كريستال بحوزة مسافرة أجنبية في منفذ الشلامجة

الحكيم: الانتخابات المقبلة قائمة وفي موعدها

الداخلية تعلن نتائج التحقيق بحادثة اعتداء في العامرية وتقرر إحالة الملف إلى مكافحة الإجرام

المرور تتوعد اصحاب الدراجات النارية وتحدد الضوابط

أرض العراق الملغومة تعادل 300 ألف ملعب كرة قدم

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

العمود الثامن: السعادة على توقيت الإمارات

 علي حسين نحن بلاد نُحكم بالخطابات والشعارات، يصدح المسؤول بصوته ليخفي فشله عن إدارة شؤون الناس.. كل مسؤول يختار طبقة صوتية خاصة به، ليخفي معها سنوات من العجزعن مواجهة واقع يسير بنا إلى...
علي حسين

كلاكيت: عن (السينمائي) وعبد العليم البناء

 علاء المفرجي علاقتي مع (السينمائي) لها حكاية، تبدأ من اختياري لها لكتابة عمودي (كلاكيت) منذ عددها الأول، ولا تنتهي بعددها الأخير. ولئن (السينمائي) تحتفل بعشريتها الأولى، كان لزاما عليّ أن أحتفل معها بهذا...
علاء المفرجي

تركيا تواجه التحول الجيوسياسي الناجم عن عودة دونالد ترامب إلى السلطة

جان ماركو ترجمة: عدوية الهلالي في الأسابيع الأخيرة، ومع ظهور الديناميكيات الجديدة للجغرافيا السياسية لترامب، تركز الاهتمام إلى حد كبير على اللاعبين الرئيسيين في الساحة الدولية، بدلاً من التركيز على دول الطرف الثالث التي...
جان ماركو

منطق القوة وقوة المنطق.. أين يتجه صراع طهران وواشنطن؟

محمد علي الحيدري يبدو أن ملف التفاوض بين إيران والولايات المتحدة دخل مرحلة جديدة من التعقيد، ليس بسبب طبيعة الخلافات القديمة، بل نتيجة تبدّل ميزان القوى الإقليمي والدولي، الذي بات يفرض مقاربة مختلفة عن...
محمد علي الحيدري
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram