بعد قوانين الجَمال اليابانية والصينية التي عرضنا لها في ما سبق، ها نحن أمام قوانين الجَمال التي اختطها الهنود. من الواضح أن هدف هذه العروض هو الإشارة إلى أن قانون الجمال الإغريقيّ ليس الوحيد الفريد في تاريخ الفنون. من الضروريّ التذكير بالفكرة من أجل تمييز الفنون الأخرى، والحكم عليها جمالياً وفق المعايير التي اعتبرتها، هي، أنساقاً للكمال.
تعاليم حكماء الهند بيّنتْ قواعد فنّي التصوير والنحت بصيغة ست جُمل حكمية (أو أقوال مأثورة)، اعتبروها المرشد الضروريّ لعموم الفن البصريّ. نعرف اليوم اسم كاهن شهير هو باتسايايا الذي ألّف كتاباً شهيراً في القرن الثاني أو الثالث للميلاد عن الأيروتيكية الهندية، نجد فيه تلك الحِكم الست التي سُمّيت بالأطراف أو الأعضاء الستة (سادانكا).
الأول: روبفيدها أي مفهوم الطبيعة وأشيائها، ويترجم آخرون هذا المفهوم بأنه المعرفة بالمظاهر الخارجية. الثاني: برامانام أي المفهوم الناجم عن الممارسة الفنية ومفهوم التناسُب، ويترجمه آخرون بأنه سلامة إدراك وقياس ومعرفة بنية الموضوع. الثالث: فهافا أي العاطفة أو التعبير وامتداد المشاعر في لغة الجسد، ويترجمه آخرون بأنه حضور المشاعر في الأشكال. الرابع: لابانايوجونام أي خلق اللمعان وتوسّع جمالياته، ويترجمه آخرون بأنه نفثات اللطف في التمثيل الفنيّ. الخامس: سادريشام أي إيجاد التشابه، المباشر أو غير المباشر، بين شيئين منفصلين، ويترجمه آخرون بأنه عملية التشابُه لا غير. السادس: بارنيكافانكا أي تقنيات استخدام مواد التصوير، ومن المفضّل أن تكون الألوان،، ويترجمه آخرون بأنه أسلوب الفنان في استخدام الفرشاة والألوان. هناك أمور عدة جدّ متقاربة بين قانوني الجمال الصينيّ والهنديّ لأسباب لا تخفى على القارئ الكريم.
أودُّ التوقف أمام تصوّرات الهنود عن (الطبيعة) و(الطبيعيّ)، وأحسب أن الترجمات الحالية التي تُسمّي المبدأ الأول (مفهوم الطبيعة) إنما تحاول الاقتراب من المفهوم اليونانيّ الطاغي عالمياً عن الطبيعة، وأجدُ أن ترجمات آخرين للمبدأ نفسه على أنه (المعرفة بالمظاهر الخارجية) أقرب للحكمة الهندية. يتعلق الأمر بالطبع بإضفاء وصف واقعيّ على الأشياء الموصوفة، وهنا يَعْتبر النصّ الهنديّ المصداقية ضروريةً عند القيام برسم الأشياء. يُوْجِب المبدأ معرفة الخصائص الممّيزة للموجودات، وهل هي من صنع الطبيعة أم الإنسان، أي معرفة الاختلاف في المظهر الخارجيّ بين أنواع عديدة من الرجال والنساء أو الأجسام الطبيعية وغيرها من المواضيع؛ بينما ذكر مفسّرون آخرون أن هدف الرسم هو التمييز بين الاختلاف والتشابُه.
كان الهدف الرئيسيّ الواقف وراء مبدأ المعرفة بالمظاهر الخارجية هو تعلُّم ملاحظة الأجزاء بالغة الصغر في الكائنات الطبيعية، وبالتالي اكتشاف الشكل الداخليّ لها. إذ أن شكل المواد في كلّ حياة أو لا حياة قد أوْكِل إلى أسلوب مُمَنْهَج (بعضهم يصفه بأنه أسلوب "إيقاعيّ"). لذا على الفنان ملاحظة الأشياء، ليس فقط بحواسه الخمس، ولكن أيضاً عبر استخدام حاسة سادسة. وفقاً للرأي الهنديّ القديم لا توجد طريقة سحرية لاستخراج (النموذج المخفيّ)، لأن على الفنان امتلاك القدرة على الشعور به طالما أنه، ببساطة، أمام وسيلةِ اكتشافٍ للأشكال جديدة. لا يودّ المبدأ تقرير أيّ الأشكال مكتمل وأيّها ليس مكتملاً. أنه يشرح كيف يمكن استخراج الشكل الخفيّ، الباطن. وفق هذا التصوُّر فالنموذج واحد في الحقيقة، وليس هناك ما يُوْجب الحديث عن نموذج "جيد" وآخر "سيئ". يعتمد الأمر على مقدرة المُشاهد على تثمين النموذج من عدمه.
إن فكرة اكتشاف (الشكل الداخليّ) عبر ملاحظة (المظهر الخارجيّ) تجعل قانون الجمال الهنديّ على مسافة مهمة مع مثيله الإغريقيّ، فهو مستوحى بالأصل من الاتجاه الروحانيّ الباطنيّ الذي يَسِمُ الفكر الهنديّ. فكرة (الظاهر) و(الباطن) المعمول بها في الفكر الصوفيّ الإسلاميّ تبدو مأخوذة مباشرة من مبدأ الروبفيدها: المعرفة بالمظاهر الخارجية للطبيعة والقدرة على تأويل معناها الداخليّ.
قانون الجَمَال الهنديّ: الظاهر والباطن
نشر في: 19 ديسمبر, 2014: 09:01 م