TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > شارلي إبدو: الإسلام أم المسلمون؟

شارلي إبدو: الإسلام أم المسلمون؟

نشر في: 16 يناير, 2015: 09:01 م

أثار الهجوم الدمويّ على الأسبوعية الفرنسية "شارلي إبدو" موضوعات كنا نحسبها قد ولت إلى غير رجعة. منها ما يتعلق بالإسلام مباشرة، وقد قيلت هذه المرة عربياً وبشكل مباشر لا لبس فيه: أن الإسلام دين عنيف بطبعه وأنه انتشر بحدّ السيف .. الخ من التصورات التي كنا نقرأها منذ حين.
وفي اعتقادي فإننا بحاجة إلى التسليم المنطقيّ بالفارق بين (الإسلام) و(المسلمين) طالما أن الخلفية الثقافية والتاريخية العريضة التي ينطلق منها بعض محدثينا أنفسهم إنما هي الثقافة العربية الإسلامية. لكننا بحاجة قبل ذلك إلى التسليم بفكرة طالما قيلت وأشاح بعض علمانيينا بوجوههم عنها، ألا وهي وجود أكثر من (إسلام) واحد، بمعنى تعدد التأويلات للدين الإسلاميّ بحيث يمكن الحديث عن (إسلامات) متباينة قليلاً أو كثيراً، فلدينا الإسلام الهنديّ والإسلام الصوفيّ والإسلام المغاربيّ - الأندلسيّ والإسلام الإيرانيّ والإسلام الأزهريّ والإسلام الصينيّ والإسلام السلفيّ والإسلام غير السلفيّ والإسلام الوهابيّ والإسلام الشيعيّ... الخ. لنعد إلى طروحات المستشرق الفرنسيّ هنري كوربان المفيدة بهذا الشأن، اختلفنا أم اتفقنا مع آرائه.
هذه (الإسلامات) تتفق على أشياء جوهرية، وتغضّ الطرف وتختلف على أشياء لا تقلّ جوهرية (منها الحرب والسلم، وفقه النكاح مثلاً)، وهي تبدو مدعومة بالسياقات الثقافية والسوسيولوجية والجغرافية والروحية والتاريخية التي انبثقت منها. ولطالما كتبنا هنا أن الممارسة الاجتماعية التاريخية للمسلمين تشكل دون شك جزءاً من تاريخ الإسلام، ونحن نتحدث عن ممارسات عريقة للمسلمين لا تتوافق مع التعاليم المتفق عليها، كشرب الخمرة وممارسة الجنس خارج مؤسسة الزواج والعنصرية العرقية والمواظبة على استحضار (الصورة) في النشاط التشكيليّ.
لم يستطع (الإسلام) قط ثني (المسلمين) عن ممارسات لا تتفق مع بعض تعاليمه بالأمس البعيد، كما القريب، كما اليوم، أو على الأقل تأويلها بعيداً بحيث أنها كانت تفقد جوهرها. ولقد اتهَّم كل (إسلام) (الإسلام الآخر)، بالأمس كما الآن، بأنه بعيد عن حقيقة الإجماع أو العقل أو النص أو السُنة، دون أن ينتهي الأمر إلى نتيجة اتفاق بين عموم (المسلمين).
لا يمكن، في تقديرنا، الحديث عن إسلام بالمطلق، كما جرى حديث بعضنا بعد واقعة شارلي إبدو المشينة، ناهيك عن اتهامه بالدموية ورفض الحوار وممارسة القتل على وجه التعميم. هناك شطر آخر من الحقيقة: كان الحنابلة والمعتزلة والخوارج من المسلمين، ومنهم المعري وأبو نواس والتوحيديّ والمتنبي، ومن شئنا اليوم على تنوع مذاهبهم وخياراتهم، عدا التكفيريين الذين يقطعون أي آصرة بالعالم، وبفضائهم الثقافي والإنساني أول ما يقطعون.
في الحديث المُقتَرَح عن مسلمين، متنوّعي المشارب والرغبات و(النفسيات) علينا أن نضع للشرط البشريّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ والبسيكولوجيّ المعقد مكانته التي لعبت دوراً في التفسير والتأويل للنصوص، وراحت بعيداً في مرات عديدة، مصرّحة بذلك أو مُمَجْمِجَةً به. لقد فصل عامة المسلمين غالباً، بطريقة واعية حيناً، وأخرى لا واعية حيناً، بين معتقداتهم الدينية وممارساتهم الشخصيّة أي تغاضوا بدرجات مُعْتبرَة، في سياق مستلزمات الحياة الواقعية، عن متطلبات النصوص، حتى لصالح ما لا يتفق معها. يتجلى هذا الفصل بأعلى الدرجات لدى (الشعبيين) من الناس وعامتهم وسكان الأرياف (بل المدن الكبرى ذات التلاوين والتناقضات). وقد رغب العلمانيون من جهتهم، بوعي وتفكير، بهذا الفصل المُسْتحسَن لصالح الدولة غير الدينية التي تكفل للناس الحق بالمعتقد والمساواة أمام القانون المدنيّ.
من الصعب أن لا يكون العقل جوار هذا الفصل الرحيم.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 2

  1. ناجي يعقوبي

    في الحقيقة استاذي قد نتعسف احيانا ونلوي عنق اللفظ فضلا عن المعنى عندما نتحدث عن اكثر من اسلام ناهيك عن اعتبار ان المذاهب والتيارات والاتجاهات داخل الدين الاسلامي هي الاسلام نفسه ،والحال ان الاسلام جامع غير مفرق ومفرد غير مشتت،وهو الذي جاء خاتم للاديان الا

  2. ناجي يعقوبي

    في الحقيقة استاذي قد نتعسف احيانا ونلوي عنق اللفظ فضلا عن المعنى عندما نتحدث عن اكثر من اسلام ناهيك عن اعتبار ان المذاهب والتيارات والاتجاهات داخل الدين الاسلامي هي الاسلام نفسه ،والحال ان الاسلام جامع غير مفرق ومفرد غير مشتت،وهو الذي جاء خاتم للاديان الا

يحدث الآن

ضبط كريستال بحوزة مسافرة أجنبية في منفذ الشلامجة

الحكيم: الانتخابات المقبلة قائمة وفي موعدها

الداخلية تعلن نتائج التحقيق بحادثة اعتداء في العامرية وتقرر إحالة الملف إلى مكافحة الإجرام

المرور تتوعد اصحاب الدراجات النارية وتحدد الضوابط

أرض العراق الملغومة تعادل 300 ألف ملعب كرة قدم

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

العمود الثامن: السعادة على توقيت الإمارات

 علي حسين نحن بلاد نُحكم بالخطابات والشعارات، يصدح المسؤول بصوته ليخفي فشله عن إدارة شؤون الناس.. كل مسؤول يختار طبقة صوتية خاصة به، ليخفي معها سنوات من العجزعن مواجهة واقع يسير بنا إلى...
علي حسين

كلاكيت: عن (السينمائي) وعبد العليم البناء

 علاء المفرجي علاقتي مع (السينمائي) لها حكاية، تبدأ من اختياري لها لكتابة عمودي (كلاكيت) منذ عددها الأول، ولا تنتهي بعددها الأخير. ولئن (السينمائي) تحتفل بعشريتها الأولى، كان لزاما عليّ أن أحتفل معها بهذا...
علاء المفرجي

تركيا تواجه التحول الجيوسياسي الناجم عن عودة دونالد ترامب إلى السلطة

جان ماركو ترجمة: عدوية الهلالي في الأسابيع الأخيرة، ومع ظهور الديناميكيات الجديدة للجغرافيا السياسية لترامب، تركز الاهتمام إلى حد كبير على اللاعبين الرئيسيين في الساحة الدولية، بدلاً من التركيز على دول الطرف الثالث التي...
جان ماركو

منطق القوة وقوة المنطق.. أين يتجه صراع طهران وواشنطن؟

محمد علي الحيدري يبدو أن ملف التفاوض بين إيران والولايات المتحدة دخل مرحلة جديدة من التعقيد، ليس بسبب طبيعة الخلافات القديمة، بل نتيجة تبدّل ميزان القوى الإقليمي والدولي، الذي بات يفرض مقاربة مختلفة عن...
محمد علي الحيدري
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram