(4-4)
جُل رسوم الكاماسوترا المعروفة حالياً، انتجها مسلمون لصالح حكّام مسلمين، في وقت متأخر، يستنتج كاتب هنديّ معاصر. يًضاف إلى ذلك، إذا كان ما يقوله الكاتب صحيحاً، أن الآلاف من التصاوير الكاماسوترية المرسومة شعبياً في الهند، منذ القرن التاسع عشر، يجب أن تًفسّر انطلاقاً من وجود مشترين أوربيين مهووسين بهذا النوع من التصاوير وجمعها، الأمر الذي دفع بقطاع واسع من الحرفيين والرسّامين الهنود الفقراء إلى إرضاء زبائنهم الأوربيين من جهة، وإشباع حاجاتهم الاقتصادية هم أنفسهم من جهة أخرى.
علينا أن نقرأ فقرة الكاتب الهنديّ المُسْتشهَد بها سابقاً بصفتها تفسيراً لسبب سعة ومصدر انتشار نسخ الكاماسوترا المرسومة المعروفة حالياً، ولا نوافق على نفي وجود وضعيات الجماع، لا في النص الأصليّ المشار إليه، حتى في المعارف العربية به منذ الجاحظ في القرن التاسع الميلاديّ، ولا في التمثيلات التشكيلية الصارخة في منحوتات بعض معابد شمال الهند في القرن الحادي عشر الميلاديّ: معبد خاجوراهو الهندوسيّ الشهير.
عثرنا، بعد العودة إلى الأصل الإنكليزيّ للكاماسوترا، على الترجمة العربية التي قام بها رحاب عكاوي (مؤسسة الانتشار العربي 1998). خياراتنا في ترجمة بعض المفردات لم تكن منذ البداية تطابق ترجمته، ومنها ما يتعلق بفصل (الاستلقاء). معنى (طرق المضاجعة) في ترجمة عكاوي هي محض رديف عربيّ (لأنواع الجماع)، بينما يقصد الفصل وضعية الاستلقاء وحدها غالباً، كما هو في نص (رجوع الشيخ إلى صباه)، رغم أن فصل الكاماستورا الهنديّ الأصليّ يعرج فيه إلى الجلوس والقيام قليلاً. أما ترجمة (المخطئة) فليست في صلب العنوان الأصليّ.
أعتقد جازماً أن أسلافنا، العرب والمسلمين، منذ القرن الخامس عشر الميلادي، قد توصّلوا إلى نسخ من الكاماسوترا المصوّرة، عبر الطريق الفارسيّ. نسخ الكاماسوترا المُصوّرة الفارسية، أو ما بقيَ منها، منذ القرن السابع عشر وفيرة. بين يدي الآن نسخة فارسية كاملة ترقى للقرن التاسع عشر. وأيضاً ورقة – منمنمة من نسخة فارسية من الكاماسوترا، الهند، القرن السابع عشر أو الثامن عشر (قياسها 8 1/2 x 6 أنج)، كتابتها بالفارسية، وخلف الورقة نفسها كتابة بالهندو. وهي من مجموعة من رسوم الكاماسوترا الهندية باللغة الفارسية (نقاشی كاماسوترای هندی به زبان فارسی). في جميع النماذج التصويرية الهندية للكاماسوترا لم أرَ وضعية هذه الورقة. إنها (تأويل) إسلاميّ للرسوم الأصلية.
عندما نقول فارسية فنحن نقول إسلامية. أسلوبياً لا تختلف منمنمات الكاماسوترا الفارسية عن الأسلوب العام لما اصطلحنا على تسميته بالفن الإسلاميّ. الكتابات بالخط العربيّ (وليس اللغة العربية) وفيرة منذ العصر المغوليّ الذي يُدرَج دون شك في إطار الفن الإسلاميّ. لماذا اسْتُبعِدَتْ نسخ الكاماسوترا المغولية والفارسية من تاريخ الفن الإسلاميّ، مع أنها تعبّر بالتمام، لونياً وأسلوبياً، عن هذا الفن، مع فارق موضوعاتها الجنسية الصراح؟ الإجابة على هذا السؤال لا مجال لها هنا، وقد تعيدنا إلى خطل التسمية نفسها: الفنّ الإسلاميّ.
ما شاهده الإمام السيوطيّ وتحدّث عنه، قد يكون لهذا السبب نسخة فارسية. لكني لا أستبعد وجود نسخة عربية، مصرية تحديداً من الكاماسوترا، بسبب الانتعاش الثقافيّ النسبيّ في مصر إبّان القرن الخامس عشر وما تلاه مقارَنة بانكسار بقية العالم العربيّ (أعني العراق وبلاد الشام وبلدان المغرب) منذ القرن الخامس عشر نفسه. وهذا هو قرن انجاز تصاوير الكاماسوترا كما هو معلوم عند المتخصصين، مع أني، رغم أني لست متخصّصاً بتاريخ الهند ولا تواريخ ظهور الكاماسوترا المصوَّرة، أحبّذ مقاربة ظهور صورها بإنشاء معبد خاجوراهو.
الكاماسوترا حسب رواية الجاحظ
نشر في: 3 فبراير, 2017: 09:01 م