(1-2)
في العالم الإسلاميّ، خاصة في بلدان مثل العراق وإيران، ومنذ وقت طويل، ثمّة استخدام واسع النطاق للصورة في سياقٍ محضُ دينيّ، في مناسبات معروفة، ودونها.
خذوا العراق في مناسباته وعطلاته الدينية المفرطة اليوم، لتتأكدوا من هذا الاستخدام الذي يستحق التأمل. لا نستهدف هنا الدخول بسجال عن "الإيمان" الذي هو أمر شخصيّ وخيار. بل رؤية إشكالية موضوعية، جمالية وقيمية.
وباختصار: ثمّة صور "دنيوية" تتحوّل إلى أيقونات "دينية". لكنْ ثمّة التباس بين الدنيويّ والأيقونيّ. الأيقونة بالأصل عمل فني تتميز به، بشكل عام، الكنيسة الشرقية. كلّ أيقونة مهما كان موضوعها تمتلك مرجعية محدّدة، ونوعاً من نموذج أوليّ يبرّر حضورها ويحدّد الشكل التمثيليّ الثابت الذي يتوجّب أن تكونه. الأيقونة موضع تبجيل لأنها تمَوْضِعُ، بدءاً من يوم نذْرها، المؤمنون في "الحضور الحقيقي" لما هو سامٍ وروحيّ. الأيقونة لا (تُعْبد) بل (تُبَجّل). الله وحده هو المعبود. إنها ليست صورة أو رمز فقط، إنما أيضاً أداة تجعل العلاقة مع العالم الروحي فاعلة.
بسبب "التقعيد" الصارم للأيقونة الدينية، يمكن اليوم الحديث عن الأيقونة مجازياً، بمعنى أنها "أداة اختزال"، وبصفتها تمثيلاً يقدِّم شخصاً أو هيئة، مُوْضُوْعَيْن في إطار مميزات وأدوار ثابتة يُمْكِن التعرُّف عليها على الفور، مثل أبطال السينما الأوروبية المعروفين وأدب الأطفال وغير ذلك. وكلها تُعْرَض لنا بشكل واضح للغاية، بحيث يجري التعرُّف عليها فوراً، لأننا ننتظرها "بشكل طبيعيّ" حتى أن الرسالة ستكون مشوَّشة عند غياب تلك الأدوار: فالشابات يظهرن جميلات ومغريات في الإعلانات الدعائية، والكوادر البيروقراطية تبدو شابة أيضاً وأنيقة وديناميكية ومثابرة، وفي غاية الإتقان لأعمالها، وغير ذلك من أنواع التنميط الوظيفيّ للصورة مما نلتقي به في الصور الصحفية والرسوم الفكاهية وملصقات السينما، وما إلى ذلك مما يسمَّى بمخيال الجماهير العريضة. هذا التنميط الأيقوني يمسّ كثيراً، على سبيل المثال، نجوم السينما الذين نراهم في الملصقات: لقد ارتفعت رؤوسهم إلى الأعلى قليلاً وظهرت خلفهم سماءٌ بلون واحد صاف (الفيلم: ذهب مع الريح مثلاً) فمنحت وجوههم شيئاً من طبيعة الأيقونة، وظهروا أكثر حقيقية مما هم عليه بالفعل، أيّ صارت لهم دلالات أكثر من اللزوم. هذا هو الدافع الذي جعل فناني البوب أرت، وعلى رأسهم أندي وورهول وروا ليشتنشتاين، يستخدمون صوراً لفناناتٍ مشهورات جماهيرياً، كمارلين مونرو في حالة وورهول أو صور الرسوم المتحرِّكة في حالة ليشتنشتاين. ومن أجل المزيد من "الطبيعية الأيقونية" للأبطال، والبطلات خاصة، تحضر طبقة كثيفة من المساحيق، وبتزاويق مُبالغ بها في صورهنّ، كما بألوان صارخة على الوجوه لكي ينحدرنَ نهائياً إلى العالم الأيقونيّ، أي في القالب المُختزَل بعبارة أخرى. في حالة الرسّام ليشتنشتاين يلعب تضخيم عناصر رُسَيْمات الصور المتحركة والتركيز على بعضها والمبالغة فيها، من بين أشياء أخرى، دور القالب المرجعيّ. لقد حقّقتْ هذه الصور نجاحاتها بسبب ما لا يوجد فيها أصلاً. علينا أن نلاحظ أن القالب الجاهز لا يشتغل إلا عندما تكون المرجعيات التي يُعْمل وفقها متعارَفاً عليها ومشترَكة من طرف مجموعة ثقافية معينة.
وفي العودة إلى عمل الصورة في بلدان كالعراق وإيران، فالواضح أن مرجعيات مستخدمي الصورة، في السياق الدينيّ، مُتعارَف عليها ومشتركة عند شريحة كبيرة.
وللحديث عودة.
الصورة: "الدنيويّ" و"الأيقونيّ"
نشر في: 10 مارس, 2017: 09:01 م