TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > الصورة: "الدنيويّ" و"الأيقونيّ"

الصورة: "الدنيويّ" و"الأيقونيّ"

نشر في: 17 مارس, 2017: 09:01 م

(2-2)
في القسم السابق أشرنا الى أن صورة مارلين مونرو أو شخصية محمود درويش، قد تتحولان في الثقافة الراهنة إلى (أيقونة) معاصرة. لكن علينا القبول بفكرة أن التمازج بين الصورة "الدنيوية" والأيقونة "الدينية" في الثقافة الأوربية قد يكون واعياً في مرات عديدة، وقصدياً. وهو ليس الحال في ثقافاتنا الإسلامية المحلية حيث تتحوّل الصورة، انطلاقاً من مرجعيات متفق عليها، إلى قالب ثابت يُمثل بطلاً مقدّساً سامياً، على نسق أبطال الأيقونات المسيحية، مُسْبغة عليه كل أوصاف العلو والجلال الدينيين. ومن حينها ستحضر أيقونته في كل مكان، مثل صورة الإمام علي بن أبي طالب لدى الشيعة (عالجناها في كتاب منفصل)، ومثل صور ساسة معاصرين حاضرين في كل مكان، على الخزفية والورق والمنسوجة والعملة والساعات وما إلى ذلك، ومنهم جمال عبد الناصر وعبد الكريم قاسم (لقـَّبه الشارع بالزعيم الأوحد ولم يلقب نفسه بذلك، وللأمر علاقة اشتقاقية بالوحدانيّة والواحد) وياسر عرفات. إنهم يحضرون في الصورة بأوضاع تزويقية مُبالغ بها لا تختلف كثيراً عن أيقونات نجوم السينما العربية والعالمية، أو عن أيقونات قدّيسي الكنيسة قبلهم.
في جميع التعالقات الأيقونية أعلاه تتحوّل الصورة إلى موضوع للتبجيل وليس للعبادة، كالأيقونة الأرثوذوكسية، وإنْ بدرجاتٍ متفاوتة. بعضها صريح (ثمّة صورة لسيدة عراقية تُقبِّل جبين السيد السيستانيّ)، بعضها أقلّ صراحة (حاجيات الاستخدام اليوميّ التي توْضَعُ عليها صورة عبد الناصر يومذاك) والأخريات تُعْلن ارتباطاً وثيقاً مُوَسْوِسَاً بالصورة، إما مرغوباً به (عرفات بصفته رمزاً) في إطار مرجعيات جماعة محددة (نضال الفلسطينيين هنا) أو مفروضاً على الجماعة (صدام حسين على الدينار العراقيّ وعلى الساعات اليدوية) في إطار تسلُّط وعسفٍ وتكرارٍ مقصود في استجلاب (صورة البطل) والرمز الوطنيّ. هنا ثمّة شيء من القداسة المُضافة إلى الصورة التي تُخْرِج أبطالها من نطاق البشريّ والدنيويّ، وتقذفهم في حقل شبه ديني كُليّ الحضور ولا يُمْكن المساس به بتاتاً، وهو أمر نجم عنه اختراع بعضهم لنفسه نسباً سُلالياً إسلامياً شريفاً.
تسقط جميع الشبهات التاريخية الإسلامية عن الصورة، وتتلاشى الكراهية الفقهية لصالح حضور الفرد، العالي المقام والسامي، في أيقونة معاصرة مشبعة بالإرث التبجيليّ المُفْرِط. لا حدود لحضور بعض الشخصيات العربية والإسلامية وعلى جميع أنواع الحوامل Support التي يمكن أن تُوْضع عليها صوره: الورق والزجاج وميناء الساعات والكارتون والألمنيوم والميداليات والخزف والنسيج والأنترنيت، وكل ما يمكن أن يخطر على البال. يتوجّب عدم التغافل، من جهة التلقّي وهي الطرف المرجعيّ المُقابِل، عن وجود إيمان بالصورة ذاتها بديلاً عن الشخص الفعليّ في بال الكثير من المشاهِدين. ثمّة استبدال له يَحلّ محلّه الفيزيقيّ، ويرمز إليه في آن واحد، وهي الحالة المعروفة في صور الرؤساء والقادة في العالم العربيّ (خذ صور القذافيّ دليلاً على هذا الاستبدال). لم تعد الصورة تنتمي إلى العالم الدنيويّ، ولكن إلى الحقل الدينيّ بالمعنى العريض والعميق للكلمة. يختلف حضور صور رؤساء الدول الأوربية في إدارات الدولة (مثل صورة شهيرة للرئيس فرانسوا ميتران وخلفه مكتبته المملوءة بإمهات المؤلفات)، عن مثيلاتها في العالم العربي. صورة ميتران لا تجسّد عبادة للفرد، إنما هي حضور رمزيّ للقانون وتذكير بمَنْ يُمثّله، وعلاقة مَنْ يمثّله بالثقافة عبر رمز المكتبة الصريح.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

تجمع تجار العراق يعلن إغلاق الأسواق احتجاجاً على الرسوم الكمركية

لقاح مبتكر للإنفلونزا قابل للتعديل حسب السلالة

عُمان تجري مشاورات منفصلة مع إيران وأميركا لتهيئة استئناف المفاوضات

تحرير مختطف واعتقال 10 من خاطفيه في النجف

انتهاء المرحلة الأولى من مفاوضات واشنطن وطهران

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: المالكي يتظاهر.. المالكي يتحاور!

الدبلوماسية العراقية في ظلال البعث

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

العمود الثامن: يوم المليون

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

 علي حسين خرج علينا السيد نوري المالكي بتصريح مثير اخبرنا فيه ان " سوربا آذتنا كثيرا يوم كان بشار الأسد رئيسا صارت مركزا للتدريب وممرا لكل الإرهابيين الذي دخلوا العراق وقتلوا وخربوا وفجروا.....
علي حسين

كلاكيت: التسويق الكبير والاعلان وترشيحلت الاوسكار

 علاء المفرجي بشكل عام، ترشيحات جوائز الأوسكار لعام 2026 (الدورة 98) أثارت جدلاً واسعاً بين النقاد والجمهور، حيث تعكس توازناً بين الإنتاجات الهوليوودية الكبرى والأعمال المستقلة، مع تركيز ملحوظ على التنوع الثقافي والقضايا...
علاء المفرجي

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

جورج منصور منذ عودة دونالد ترامب إلى واجهة المشهد السياسي الأمريكي، عاد معه خطابٌ صداميٌّ يقوم على الإقصاء ورفض الآخر، مُتّكئأً على نظرة مصلحية ضيقة لا تعترف بالقيم التي رفعتها الولايات المتحدة شعارات لعقود،...
جورج منصور

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

رشيد الخيون أيد الكثيرون مِن العراقيين «فيتو ترامب» ضد ترشيح نوري المالكيّ رئيساً للوزراء للمرة الثَّالثة، وهو تأييد مغلّف بالخجل، لمَن هو ضد أميركا وتدخّلها، وضد المالكي أيضاً، فحزبه «الدَّعوة» ترأّس الوزارة ثلاث مرات:...
رشيد الخيون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram