(1-2)
هناك مشكلة اصطلاحية في التفريق بين (الحاجيّة، الجسم، الكيان object، وبالفرنسية objet) والشيء (بالانكليزية thing chose وبالفرنسية ). المشكلة لا تمسّ فقط صعوبة ترجمة المفردتين اللاتينيّتين، إنما تقع في التباس الإحالات واضطراب المعنى، خاصة في حقول معينة: الفن التشكيليّ والفكر. الحاجيّة ليست (الشيء) وإنْ كانت (شيئاً).
إذا تكلمنا في الفنون الجميل، فالحاجية أو الحاجة، لا تتعلق دوماً بتحفة فنية (عمل، منجز فني" objet d’art). علينا في البدء رؤية ما تعني هذه المفردة في المعاجم الاشتقاقية الأوربية. الحاجية هي كيان (شي) ثلاثيّ الأبعاد، طبيعيّ أو معمول من قِبَل الإنسان (مصنوع أو صناعيّ)، له وظيفة مُحدّدة، ومُرتبط بتسميةٍ. هذا يعني، من جانب آخر، أنه يجب أن يكون مُدْرَكَاً بحاسة واحدة في الأقل من الحواس الخمس أو عبر آلةٍ. إضافة إلى أنه كيان مُعَرَّف بالعلاقات الداخلية التي تربطه والمحيط، وبحالته وبالحركة والتغيّرات التي يخضع لها أو يسبّبها. ولأن ليس له وضعية دائمة، فإنه يتطوّر في سياق زمنيّ. إن مفهوم الحاجة أو الحاجية متصلّ إذنْ بـ (إدراك العالم) عبر منحه أسماء ذات معانٍ ملموسة مشتقة من أكثر حقل معرفيّ.
أما (الشيء) في الفكر الأوربيّ فهو ما يسمح لنا بالإشارة، أي وصف حاجية أو فكرة أو أيّما تجريد آخر، من دون تعيينه أو تسميته. الشيء لذلك هو غير المُحدّد، حاجيّة أو فكرة، أو هو الذي لا توجد ضرورة لتحديده. تُسْتنبط دلالة المفردة شيء chose من الطريقة التي تُستخدم المفردة فيها في الجملة، حيث "يَحلّ مَحَلَّ ما هو غير ممكن أو غير مرغوب بتسميتهِ"، وهكذا يمكن استبدال مجموع من الحاجيات غير الحيّة (أو الأفكار) التي يسمح السياق بتخمينها. جوهرياً يتعلق الأمر بمُعَرَّفٍ (الحاجية) ونكرة (الشيء). وهنا نخرج تقريباً من حقل المجهول إلى حقل المعلوم، بجميع العلاقات المُركَّبة التي تربط المفهومين بالعالم الذي يحيطنا، وفي حالة الحاجية، بأفكارنا عنها، حتى أن الحاجية في الوعي الغربيّ أقرب لمفهوم (الفكرة)، ومن هنا استخدام مفردة (objet) للموضوع نفسه بدلالته التجريدية، في مقابل الـ (sujet) الفاعل، أي مُنْتِج الفكر.
الحاجيّة أقرب لمفردة (الغَرَض) العربية، في قولنا مثلاً (الأغراض الشخصية) أي الأمتعة والحوائج الشخصية الذي هو استخدام مُتأخِّر، لا ترفضه المعاجم المحدثة، ونجد أصله في المعنى الأول للمفردة، ففي المعاجم: الغَرَضُ هو الهدف الذي يُنصب فيُرمى فيه والجمع أغراض، وفي حديث عقبة بن عامر "تختلف بين هذين الغرضين وأنت شيخ كبير"، وغرَضه كذلك أي حاجته وبُغيته، كما في لسان العرب. ثم صار يعني عموم الهدف. إذا كان الغَرَضُ يشير إلى شيء ملموس فهو في الوقت نفسه يشير إلى (الهدف المُجَرَّد) غير الملموس، التجريديّ، وهذا يتطابق مع المعنى الآخر للمفردة اللاتينية الدالة على (الحاجيّة)، فهي تشير، في الاستخدام، إلى (الموضوع) و(الهدف) كليهما.
قد يزعم المرء، بعد ذلك، أن الصعوبة كبيرة في ترجمة المفردة الأوربية الشهيرة في الحقل التشكيليّ الذي لا يستطيع الاستغناء عن المفردة بحال من الأحوال، الّلهم إلا بالعودة إلى (الغَرَض) وإعادة تأهيلها، والإصرار على استخدامها، حتى تصير من المألوف المقبول المُتداوَل، بالدلالة أعلاه.
أما معنى (الشيء) في اللغة العربية، فلا يُطابق كثيراً معنى المفردة الأوربية، وهو موضوع آخر.
يُتبع
كيف نفرّق بين (الحاجيّة) و(الشيء)، في الفنون الجميلة؟
نشر في: 24 مارس, 2017: 09:01 م