(2-2)
قلنا إن هناك مشكلة اصطلاحية في التفريق بين (الحاجيّة) و(الشيء). وألمحنا أن المشكلة لا تمسّ فقط صعوبة ترجمة المفردتين الأوربيتين، إنما تقع في التباس الإحالات واضطراب المعنى.
في الجذر اللاتينيّ، الشيء يعني (القضية، المسألة) على وجه الإطلاق: أية مسألة وأيّ قضية وفي معجم لاروس يستخدم الشيء اليوم للدلالة على حاجيّة ملموسة في التعارُض مع كائن حي، فالطاولة والكتاب من الأشياء. وهو يعني كياناً مجرّداً، إجراءً، حدثاً، بياناً. ويعني الوضعية الحقيقية والأحداث والظروف (بالجمع). ويعني الشيءُ حاجيةً أو كياناً لكن في مقابل الاسم: كما في قولنا (الكلمة والشيء الذي تُعَيّنُه). وفي الفلسفة يعني الشيءُ كلّ ما يمكن أن يُوجد، وكل ما يُفَكَّر به.
لكن المقارَنة مع معنى (الشيء) في العربية، لا تقود إلى مناطق التفكير نفسها بالضرورة. ففي لسان العرب ثمة ارتباط غامض بين الشيء والـمَشِيئةُ، الإِرادة، والاسم الشِّيئةُ، والشَّيءُ: معلوم، وهو يَقَعُ على كل ما أُخْبِرُ عنه. وفي المعاجم الجديدة الشيءُ هو الموجودُ، والشيءُ هو ما يتصوَّر ويُخْبر عنه، والشيءُ اسم لأيّ موجود ثابت متحقّق يصحّ أن يُتصوَّر ويُخبر عنه سواءَ أكان حسِّيّاً أم معنويًاً ( يُطلق على المذكَّر والمؤنَّث). وعند المناطقة الشيء قد يُقال على كلّ ما له ماهيّة ما (Quiddité) كيف كان، فإنّا إذا قلنا «هذا شيءٌ» فإنّا نعني به ما له ماهيّة ما. ويكون الشيء أعمّ من الموجود، ويُقال على كثير مما يُقال عليه الموجود وعلى أمور لا يقال عليها الموجود… إلخ.
ما يَشفّ عن ذلك، أن (الشيء) في العربية هو الموجود والمعلوم. وهي فكرة تتطابق قليلاً مع فكرة الشيء الأوربية، وتختلف عنها قليلاً. ونعتقد أن جوهر الاختلاف يقع في (التنكير) و(التعريف) بالمقارنة مع (الحاجيّة)، فالثانية هي الشيء المُعرَّفُ، المعروفُ، ذو التسمية، والأولى (الشيء) هو الموجود النكرة. وهذا ليس بواضحٍ في الاستخدام العربيّ. من هنا تَبادُل الاستخدام العربيّ بين (الشيء) و(الحاجيّة)، بل أن (الشيء) في العربية يُستخدم غالباً للتعبير عن (الحاجيّة objet) التي هي مفردة مُسْتحدَثة لا وجود لها في لسان العرب، وبدلاً منها نجد (الحاجة): المأربة. الحاجُ جمعُ الحاجَةِ، وكذلك الحوائج والحاجات، وتَحَوَّجَ إِلى الشيء أي احتاج إِليه وأَراده. والحَاجَةُ هي الحائجة؛ ما يفتقر إليه الإنسانُ ويطلبه. وهي تعبير عن الضروريّ مثل قضَى حاجَته، لا حاجةَ لي به، والحاجَة في القرآن هي الحَزَازَة والحَسَد. ولعلنا لن نلتقي بمفهوم الحاجة (objet) الأوربيّ. لذا نفضّل استخدام مفردة (الحاجيّة) التي تقع في دلالة (الغَرَض) المقترحة سابقاً لترجمة المفردة (objet). يُحدّد الانكلو- سكسونيون (الحاجيّة) منذ البدء بأنها "كل ما هو مرئيّ أو ملموس وله شكل مستقرّ نسبياً" مُضيِّقِينَ على المفهوم بإضافة الشكل المستقرّ. وهذا التضييق هو ما نحتاجه نحن في مصطلحات الفنون الجميلة، إضافة إلى الاختلافات الأخرى المذكورة. في الفن نتحدث عن (حاجيّة فنية)، وليس (شيئاً فنياً). لكن تناوُب استخدام المفردتين متواتر في غير الحقل الفنيّ، بل القاعدة. يقع السبب في المشكل الذي نحاول التأمّل فيه.
قد لا يوافق بعضنا على (الحاجيّة) للتعبير في الحقل الفني. وهنا لدينا مقترح (الحائجة) و(الحائجة الفنية) التي قد تَستبعِد فكرة الضرورة والاحتياج اللصيقين بمفردة الحاجة.
كيف نفرّق بين (الحاجيّة) و(الشيء)، في الفنون الجميلة؟
نشر في: 31 مارس, 2017: 09:01 م