سياسيو العراق، عرضة للنقد اليوميّ، عن حقّ، وليس المثقفون العراقيون. فما الفارق بينهما في عراق ما بعد عام 2003 يا ترى؟ وما التغيّر البنيويّ الذي لم يُصِب السياسيين، بل دفعهم لانحدار قيميّ مشهود له، بينما أصاب فاعليّات المثقفين ومعاييرهم؟ الحديث عن السياسيين أقلّ ازعاجاً ومصاعبَ عن الحديث عن مثقفي العراق الراهن. نتحدث، بالطبع، عن الظاهرة، وليس هوامش الظاهرة واستثناءاتها بين هؤلاء وأولئك.
استبشرنا خيراً بعد ذهاب النظام السابق، دون جدوى، فالثقافة العراقية (دائما نعني المشرفين والمعنيين والفاعلين والكتاب والصحفيين والجامعيين) ما زالت تعيش "شروطاً سابقة" لم تتخلّص منها. صحيح أن هناك انفتاحاً على العالم الخارجيّ يزوِّد الفاعلين بوَهْم التغيُّر في وعيهم الجوهريّ، لكن الصحيح أكثر من ذلك أن الشروط التي يشتغل بها المثقف في البلاد، تُفْقِد العالم الخارجي موضوعياً أثره الحقيقيّ في الفعل والوعي، حتى يمكن الزعم أن وهْم الانفتاح والتحرّر أعظم الأوهام في ثقافةٍ ما زلت تستمد، غالباً، حُججها ومصطلحاتها من أصول ثقافية لأنظمة سابقة، توتاليتارية علمانية، صارت اليوم توتاليتارية دينية. ما يتوجّب الاعتراف به هو أن أرث أكثر من ثلاثين سنة من حكم الطغيان، ذي الثقافة الواحديّة، ثقيلٌ جداً في الوسط الثقافيّ، وما زال مهيمناً، أحياناً بمفاهيمه، وأحياناً بأشخاصه السابقين أنفسهم المُزوَّدين اللحظة بأقنعة ملوّنة. هناك مثقفون عراقيون توقفت معطياتهم ومتابعاتهم عند سنوات الثمانينيات على أحسن تقدير. أليس غريباً أن سجالات اليوم الثقافية، تستعيد ما كان يجب أن يكون قد أُنْجِز واستتبّ منذ خمسين عاماً كمعايير وأعراف وقيم وأخلاقيات ومبادئ ثقافية، مهما كانت درجة ترجرُجها. نحن نستعيد أفكار علي الوردي (معتبرين أنفسنا غير معنيين بنقده؟) ودوغمائيات الفكر الماركسيّ، والنقد الثقافي دون عُدّته، والفكر القوميّ المختبئ متحيّناً الفرصة، والموسوعيين المسيحيين العرب في لبنان ومصر…..إلخ، وما زلنا نتساجل بشأنها ضمن مصطلحات، جديدة في أحسن الأحوال. أما الوعي التشكيليّ، فحدّثنا ولا حرج عن توقف مأساويّ طال أمد القاطرة الجمالية فيه.
لعلّ ليس من التشاؤم بشيء القول: لكي يُؤتي هذا الانفتاح أكله حقاً، ويصير وعي المُنْفَتَح عليه وعياً للثقافة المحلية نحتاج إلى عشرين أو ثلاثين سنة مقبلة.
على المستوي العمليّ، يُشار أن الثقافة العراقية اليوم هي ثقافة الطرد وليس الاستقطاب، فلا استجلاب للخبرات الثقافة في الحقول كلها، لا مجلة (وليس مطبوعة من أجل ذرّ الرماد) تعنى بتلك الشؤون، كاتبتْ واستدعتْ مثقفي البلد المشهود لهم إلى مائدتها. لذا نُلاحظ أن المثقفين العراقيين يفضلون الكتابة في المنابر العربية، ويفوزون بجوائز عربية تثمّن منتجهم. ثقافة طاردة ومعنيون طاردون، برغبة من بعضهم ومن دون إرادة من الآخر.
تقدُّم وسائط التواصل الاجتماعيّ خيرة العيّنات، وأعظم البراهين عن حالة الثقافة، ونمط خطابها. ما زالت الثقافة العراقية ثقافة مقهىً، لذا ترى أن كثيرين يصرّون على أن الفيسبوك محض (مقهى). هذا ملائم جداً للوعي الذي يُفضّل (الكلام). المشكلة أن روّاد المقهى الإلكتروني يلقون على القارئ الكريم مفاهيم وأفكاراً وتواريخ ومصطلحات كبيرة يجدر نقاشها في مكان آخر غير هذا الفضاء. كأننا تأملنا واتفقنا على مداليل تلك الأفكار والمصطلحات في مكان آخر قبل قدومنا إلى المقهى. لم نفعل ذلك في الحقيقة. في هذا الأمر بعض التوهُّم، وحتى المقهى لا يتخذ روّاده الموقف نفسه ولا السبب نفسه من المجيء إليه. أننا نزعم أن ثقافة بدون "مسلّمات" وقع التفاهُم عليها ونقاشها وتثبيتها، عُرْضة أن تكون موطناً لسوء فهم طويل عريض بين مستخدمي الكلام. يكشف الحوار على (الفيسبوك)، بأجلى الصور، طبيعة سوء التفاهم عن المسلمات وعن الاجترار، كل يوم. من جهة أخرى، وبصفته عيّنة تصلح برهاناً، يعيد الفيسبوك التجمّعات القديمة، الجميلة منها والشللية، واللقاءات الأدبية المحلية السابقة، الفاتنة منها والمتواطئة، ويبلور الأنفاس (الإقليمية) ذاتها باسم الانفتاح، كلها نفسها، لكن بصيغة تقنية أخرى.
الثقافة العراقية اليوم: وَهْــم الانفتــاح
نشر في: 12 يونيو, 2017: 09:01 م