أكوّنُ الآن مكتبة خامسة. الأولى في بغداد، وكنتُ طالباً جامعياً، تركتها من حي الشعب مع أعمال مخطوطة لم تُنشر مطلقاً. الثانية في بيروت، تركتها عند خروجي منها إثر حصار بيروت، لدى صديق، ولا أعرف مصيرها. الثالثة في جنيف، الأكبر، وكانت تحتوي على أكثر من 3 آلاف كتاب، لأنها حصيلة أكثر من 28 عاماً من الشراء والإهداءات، حاولتُ نقل الأساسيّ منها إلى تونس، عند انتقالي إليها، فوصلتني وقد قُضِمتْ نوادرها من قبل”أصدقاء”كنت أئتمنهم عليها. الخامسة التي كوّنتها في الجنوب التونسيّ يُضاف إليها ما وصلني من مكتبة جنيف المُثلَّمة.
تختلف الحقول نظراً لتنوّع اهتماماتي، بين الشعر العربيّ والفرنسيّ (إذكر مجموعة جنيفية كبيرة من سلسلة”شعر غاليمار”الشهيرة، سرقها السارق هنا)، والأدب العربيّ بمختلف أنواعه الفنية، وعلم الجمال، وتاريخ الفن والفنانين والحضارات، والسيوسيولوجيا، والتاريخ الوسيط، ومجموعة كبيرة للغاية من كتب التراث العربيّ، تقف على رأسها الطبعة المصرية من لسان العرب التي جلبتها لي زوجتي السابقة من القاهرة. ومجموعها خليط من الكتب العربية والفرنسية، وأحيانا نادرة الإنكليزية.
هناك كتاب نستنفد غرضنا منه بعد فصل أو عدة فصول. وهناك ما يُجبر على إكماله، وهناك الموسوعات الحضارية التي هي مراجع وقتية. وهناك ما لا نعيد قراءته البتة بعد القراءة الأولى. المكتبة، يُقرأ ثلاثة أرباعها عملياً أو نصفها. الباقي نعود إليه بين فترة وأخرى، لإكماله أو استشارته أو العمل عليه. فلا يمكنك قراءة كتاب الأغاني دفعة واحدة. قرأته كله رغم ذلك بالعودة المتواترة إليه. لا يمكنك قراءة موسوعة في تاريخ الفن تبدأ منذ فنّ الكهوف وصولاً إلى آخر التيارات التشكيلية المعاصرة، إنها مشروع لقراءة متناوبة.
ننتقي من الإصدارات الجديدة ما يلائم اهتماماتنا، لكن وقبل ذلك ثقافتنا الشخصية. ما معنى مفهوم (أحدث الإصدارات)؟ اليوم بعض (أحدث الإصدارات) ضعيف القيمة، لأنها منشورة على حساب مؤلفيها أو في دور نشر تستهدف الربح السهل وليس الثقافة. الاستثناءات قائمة.
لا أتذكر أول كتاب قمتُ بقرأته وساهم فى تشكيل وعيي. هناك صورة قديمة وبيدي كتاب (ثورة الشعر الحديث) لمكاوي، منتصف السبعينيات. أتذكر كذلك في مكتبتي البغدادية الصغيرة الأعمال الكاملة للسيّاب بطبعة دار العودة. القراءات الأولى هي دوماً تأسيسية وليست صارمة، مشوبة بالنزق الذاتيّ، وشهرة المؤلفين المعاصرين، بعضها انطفأ مع الزمن، أو موصولة بالإشاعات المحيطة بهذا الكتاب وذاك، وأحياناً مرتبطة بالسياق الثقافيّ، ففي مصر، أعتقد، أول القراءات تنصبّ على الرواية، في العراق الشعر أو نقد الشعر. في صباي زوّدني صديقي الكبير، وهو”زوج”خالتي وكان معلماً يسارياً، بالكثير من المطبوعات (ومنها الطبعة الأصلية لألف ليلة وليلة) والمجلات المصرية التقدمية، وكانت من أوائل الأعمال التي قرأتها.
العلاقة بالمكتبة الشخصية تتأسّس على المحبة والرحمة. أتخيّل، على رفوفها تستلقي (رؤوس) مصغّرة للمؤلفين، الحاضرين معنا، الشاخصين أحياناً نحونا، وهذا مخيف في بعض الليالي. في جنوب تونس أشعر بالضيق الكبير اليوم، لأنني لا أجد مكتبة”خشبية"، متواضعة وجميلة تلائم مزاج كتبي، ليس بسبب غياب النجّارين، ولكن بسبب غياب القراءة المأساوي، ولأن مكتبة خشبية إذا ما وُجدت في بعض المحلات، فإنها محض ديكور أو رفوف أستعراضية لوضع أشياء ثمينة من الطُّرَف المعدنية والزجاجية والمصابيح، غير الكتب: لها هيئة مكتبة لوظيفة برجوازية.
مكتبة شخصيّة: شهادة
نشر في: 8 يناير, 2018: 09:01 م