الكنوز المتهدمة فـي بابل بانتظار عراق مستقر

الكنوز المتهدمة فـي بابل بانتظار عراق مستقر

بقلم : جيفري غيتلمان / ترجمة : المدى

أبنية من طابوق متفتت عمرها حوالي 2500 سنة تبدو كقلاع رملية مهشّـمة على الشاطئ ، فيما يبتلع قصب النهر مواقع شهيرة كبرج بابل والجنائن المعلـّـقة .

 

أما علامات الاحتلال العسكري فموجودة في كل مكان وبضمنها الخنادق وأغلفة الاعيرة النارية ولفـّـات الاسلاك الشائكة اللامعة والجدران التي دمرها النسف والمدموغة بعبارة " هذا الجانب للحماية". و بابل ، المدينة المشيدة بالطابوق الطيني وذات الصيت الذي يساوي مليون دولار ، قد دفعت ثمن الحرب ، فقد نـُـهبَت وسـُـلبـَت وحـُفـِرَت وتم الرصف فوقها واحتُـلَـت بقسوة ، اذ يقول علماء الآثار ان الجنود الاميركيين استخدموا حتى التربة المـُـثقـَـلة بنتاجات بشرية لاتُـقدّر بثمن لملء الاكياس الرملية . لكن القادة العراقيين وموظفي الأمم المتحدة لا يتخلون عنها ، فهـُـم يعملون باجتهاد لإحياء بابل ، موطن احد عجائب الدنيا السبعة ، ولتحويلها الى مركز ثقافي وحتى ربما متنزه عراقي رئيسي . ولا أحد يقول أن ذلك سيحدث في أي وقت في القريب العاجل ولكن ما يجعل أيضاً من الممكن تصوّر المشروع هو كون المنطقة المحيطة ببابل هي احدى أكثر المناطق أمناً في العراق ، فهي من جديد منارة للحضارة في أرض تعمها الفوضى.

وبابل القديمة ، المـُـحتـَـفى بها كمعين للقانون والكتابة والحياة الحضرية ، تقع بالضبط خارج نطاق مدينة الحلة الحديثة الواقعة على بعد حوالي 60 ميلاً جنوب بغداد ، ولا يبرز في الحلة المتمردون ولا تربكها المليشيات، ورغم أن فيها مزيجاً من السنّة والشيعة الا أن العنف الطائفي لم يشملها. فالمعامل تهدر وقوات الأمن العراقية تتجول في دوريات والشوارع تنبض بالحياة ، حيث يتقافز الأطفال الى المدارس وتتزاحم الحشود باتجاه الأسواق وتمر سيارات الأجرة في الجوار. وتقوم منظمة التربية والعلوم والثقافة التابعة للأمم المتحدة ( اليونسكو ) بضخ ملايين الدولارات باتجاه حماية بابل وبعض الآثار القديمة الأخرى في العراق وإحيائها ، وكذلك طبعت اليونسكو كرّاساً صغيراً تم فيه إدراج بابل بصفتها غاية رئيسية ، وذلك لتوزيعه على المانحين الموسرين . ويقول ، موظف في الأمم المتحدة مساعد في المشروع ، " قد تصبح السياحة الثقافية ثاني أكبر صناعة في العراق بعد النفط ", ولكن قبل أن يصبح العراق مصر التالية فأنه يقول بسخرية " يجب أن تحدث بضعة أمور قليلة ".

وأحد تلك الامور ، بالطبع ، أمن أفضل ، فلا تزال القوات الاميركية تحتفظ بقواعد قرب بابل بيد أنه في الشهر المقبل ، وفي إشارة الى مدى الاستقرار النسبي الذي أصبحت المنطقة تتمتع به ، ستنسحب أغلب القوات وستتجه الى شمال بغداد حيث ثمة حاجة أكبر لتواجدها هناك . ويقول الكثير من العراقيين أن الأمر يتعلق بالوقت ، فقد وُجـِّـه اللوم الى القوات الاميركية بسبب الكثير من انتقال الملكية الأخير في بابل . ويقول عالم الآثار العراقي الراحل دوني جورج ، رئيس هيئة آثار العراق السابق ، ان القوات البولندية حفرت خنادق عبر معبد قديم وان المقاولين الامريكيين رصفوا الأرض فوق الآثار لإعداد مهبط للطائرات العمودية ، ويتساءل المستر جورج قائلاً " كيف يفترض بنا أن نتخلص من مهبط الطائرات الآن ؟ بالآلآت الثقـّـابة ؟ هل يمكننا أن نتخيل أخذ آلة ثقابة الى آثار إحدى أهم المدن في تاريخ البشرية ؟ أقصد ، الا ترون ، انها بابل ". بابل ، لإسمها رنين سحري منذ عهد حمورابي ، الملك البابلي الذي حكم من عام 1792 ق.م. الى 1750 ق.م. ويـُنسـَـب إليه وضع واحد من أول مجاميع القانون المنظـّـم ، وبعد حمورابي ازدهرت المدينة ثانية تحت حكم الملك نبوخذ نصّر الثاني الذي حكم بين عامي 605 ق.م. و 562 ق.م. تقريباً ، وأفضل ما عـُـرف به نبوخذ نصّر هي الجنائن المعلقة التي من المزعوم أنه شيدها لزوجته التي كانت من سكنة الجبال وكانت تفتقد كل المروج الخضر، وكان هيرودتس ، العالم الإغريقي القديم ، متأثراً للغاية بالمدينة بحيث كتب عن بابل يقول " تفوق في سناها أية مدينة في العالم المعروف ". 

وكانت المشكلة هي إن أغلب هذا البناء كان مصنوعاً من الطين ، فلم يكن هناك الكثير من الصخور في متناول بابل القديمة ولم تدم معالمها المشيدة بالطابوق المجفف بالشمس كدوام أهرام مصر أو الساحات الرومانية، وبمرور السنين وزحف رمال الصحراء ، تفتّت بابل . ومما زاد الطين بلة إن القوى الاستعمارية نقلت بعضاً من أثمن النتاجات البشرية التي نجت من تأثير الزمن ، فقد أخذ الألمان بوابة عشتار وانتزع الفرنسيون الخزفيات واستخدم الأتراك الطابوق ، والبعض منها كان لا يزال يحمل اسم نبوخذ نصّر ، لبناء السدود على نهر الفرات .

ثم جاء صدام حسين واذا كان لدى أي شخص خطط كبيرة لبابل فقد كان هو ، اذ بدأ صدام حسين عام 1985 بمشروع كان احياءً جزئياً وبناءً جزئياً وغروراً كلياً ، فقد استورد الآفاً من العمال العرب ( اذ كان العراقيون مستغرقين في الحرب العراقية - الايرانية) لبناء قصر قديم الطراز تماماً فوق القصرالاصلي لنبوخذ نصّر ، وحلّـت جدران من طابوق أصفر بارتفاع 40 قدماً ومختومة بأسم صدام حسين محل الركامات الطينية القصيرة من عصر الكتاب المقدس .

وعقب حرب الخليج عام 1991 أصدر صدام حسين تكليفاً ببناء قصر عصري ومرة أخرى فوق بعض الآثار وتم تنفيذه بالشكل الهرمي لزقورة سومرية ، وأطلق صدام حسين عليه اسم تل صدام ، وفي عام 2003 كان على وشك أن يبدأ بالبناء على خط سيارات متشابك يمتد عبر بابل عندما قطع غزو معين الطريق عليه . ثم اندفع المارينز الاميركيون في وادي نهر الفر ات في طريقهم الى بغداد وحوّلوا تل صدام الى قاعدة ، ولا تزال ذكرياتهم مكتوبة على الجدران وتتضمن " مرحباً فانيسا . أحبكِ . من قصر صدام " و " كروز يرتجف في موضع صدام ".ولكن الأدهى من ذلك ، كما يقول علماء الآثار ، كان استعمال معدات ثقيلة مثل الطائرات العمودية والعربات المصفحة والتي قد تكون سحقت الآثار الهشة الموجودة تحت سطح الأرض مباشرة .

ويقول المستر جورج ، الذي كان المدير الميداني لصدام في بابل في عام 1986 ، إنه تذكر مرة كان يحفر تحت التربة السطحية ببوصات قليلة ويـُـخرِج " صحناً صغيراً رائعاً " ، ويقول " لذا فقط تخيلوا ما خسرناه ". وفوق ذلك فالسرّاق لم يساعدوا ، فبعد الغزو انقض سرب من اللصوص كالجراد على العراق وسرق مواقع تأريخية كاملة لا تعد ولا تحصى ( يتمتع العراق بأكثر من 10000 موقع ) . 

ولم تكن بابل قد هوجمت هجمات سيئة كما حصل للمناطق الأخرى ، غير أن الكثير من نتاجاتها البشرية الثمينة اختفت من المتاحف ، فبحلول صيف عام 2003 كانت ألواح مسمارية ، من بين أقدم الأمثلة على الكتابة ، يتم بيعها على موقع e-Bay على الانترنيت .

وقد انتهى المطاف بنتاجات بشرية قديمة وحتى عظام قديمة كذلك الى أكياس رملية ملأها الجنود الذين كانوا يدافعون عن الموقع ، طبقاً لما ورد في تحقيق أجراه المتحف البريطاني عام 2004 . وتقول اليزابيث ستون ، وهي عالمة آثار في جامعة ولاية نيويورك في ستوني بروك التي تساعد على إحياء بابل ، إن الجنود " أخذوا مغارف كبيرة من آثار بارزة ".

وحسبما جاء في تقرير حديث لإذاعة الـ ( بي. بي.سي.) قال كولونيل أميركي من المارينز انه كان يرغب في الاعتذار عن الضرر الذي سببه الجنود الاميركيون ولكنه أضاف إن الآثار كانت ستصبح في حال أسوأ لو لم يتواجد الجنود هناك لحمايتها ، ويمكث الاميركيون الآن خارج الموقع ويتركون العراقيين يقومون بحراسته .

وتقدم الآنسة ستون تقييماً شاملاً بالاضرار وتستخدم صوراً متخـَـيّـلة في غاية الوضوح عبر الأقمار الصناعية لمقارنة حالة الآثار قبل الغزو وبعده ، وهدف الخطة تقديم نتائج الى اليونسكو ، التي تأمل بإحياء كامل لبابل وتحويلها الى جوهرة متألقة في السياحة العراقية . وتبدو الطريق نحو هذا الهدف طويلة ، واليوم يشرف على الموقع القصران اللذان بناهما صدام حسين ويبدوان كسقط المتاع وبعض الآثار الطينية وبعض الحفر العميقة والكثير من الاسلاك الشائكة .ولكن حتى المستر جورج لايشعر بهبوط الهمّـة ، إذ إنه يجتمع بشكل منتظم بعلماء الآثار من كل العالم ويضعون الخطط لإنشاء مركز دراسات مسمارية وقرية سياحية يشيدان خارج حدود المدينة القديمة ، دون شك ، ويقول " في يوم ما ستزور الملايين بابل ، إلا إنني فقط لست متأكداً من أن هناك مـَن يعرف متى يكون هذا اليوم "

عن النيويورك تايمز

اترك تعليقك

تغيير رمز التحقق

Top