TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > نصب للجواهري ، أم نصب على الذقون؟

نصب للجواهري ، أم نصب على الذقون؟

نشر في: 27 ديسمبر, 2013: 09:01 م
وأنا أتجول بين أحضان متنزه (بورغيسه ) في روما ، لفت انتباهي شارع صغير وأنيق ، حاولت أن أكمل مسيري باتجاه مختلف حيث كنت أنوي الذهاب إلى متحف الفن الحديث ، لكنّ شيئاً ما جعلني ألتفت لقراءة اسم هذا الشارع الصغير ، كانت بالفعل مفاجأة مدهشة من العيار الثقيل ، فالشارع الأنيق هذا كان اسمه ( شارع أحمد شوقي ) فرحت حقاً وأنا أقرأ اسم أمير الشعراء بالحروف الإيطالية على يافطة جميلة ، أخذني الفضول بأن أسير في هذا الشارع حتى نهايته . سرت بين الأشجار التي تحيط بالشارع وتليق باسم شاعرنا ، كلي فخر واعتزاز بذلك وقد امتلأ رأسي بأسئلة كثيرة وعجيبة ، لكن قبل أن أجد إجابات لأسئلتي المحيرة تلك ، وجدتني أقفز فرحاً من جديد وأنا أبتسم ثم أطلق ضحكة كبيرة وأنا أشير إلى نهاية الشارع بطريقة تبدو استعراضية وبتوق يملأه الجمال ، فقد رأيت تمثالاً كبيراً ومدهشاً من البرونز يمثل الشاعر شوقي ، ثمثالاً في غاية الروعة والبراعة والتنفيذ ، وقد كتب على قاعدته الضخمة أبيات من شعر أحمد شوقي ، احتفاءً به وبما قدمه من إبداع . 
سألت نفسي لماذا قام الإيطاليون بذلك ؟ كيف خصصوا مكاناً في روما المدهشة ، لشاعر عربي ؟ أتخيل الآن بلدية روما وهي تتفق مع واحد من أهم نحاتي إيطاليا ليقوم بإنجاز ثمثال لشاعرنا ، شاعرنا الذي نسيناه نحن ربما ، لكنهم تذكروه ، نسيناه كما ننسى أشياء كثيرة في حياتنا ، أشياء تنتمي إلينا بالفعل أكثر من أي شيء آخر ، أشياءً ليست عابرة بل أصيلة ومهمة ومؤثرة . لماذا ياترى فعل الرومان ذلك وهم لديهم شعراء وشخصيات فذة تستحق كلها تماثيل ؟ الجواب خطر على بالي وأنا أقف أمام تمثال شوقي وسط روما العظيمة ، خطر الجواب عارياً بسيطاً ، ليقول لي بكل ثبات إن الأبداع الحقيقي ليس له وطن ، والانفتاح على الآخر هو ما يجب أن تتعامل به الناس لإثبات المحبة والمقاصد الطيبة والانتماء إلى الإنسانية بمعناها الشامل والكبير . 
لكن الأهم من ذلك هو كيف نثبت نوايانا نحن ؟ كيف نفرك جواهرنا التي أصابها سيل التخلف والمتاجرة بالوطن وثقافته وفنه ؟ ذلك الفن الذي لا نملك ما هو أعمق ولا أهم أو أجمل منه . كيف نفعل ذلك وقد باع الناس تمثال السعدون بالكيلوات على شكل خردة نحاس ؟؟!! ماذا فعلنا بأنفسنا وقد سمحنا لكل ذلك بالحدوث وكأنه لا يعني العراق وتاريخه ؟ لقد تحدثت هنا مرة عن مدينة يتغير اسمها في لمح البصر من اسم دكتاتور إلى اسم رجل دين ، هكذا بطريقة تصيب أي ( مواطن ) حقيقي بالغثيان ، وكأنك يا أبا زيد ما غزيت . فهذه ليست طريقة مشرقة لاستعادة جمال بلادنا الآفل . هذه البلاد التي ابتلت بعيون لا تكشف عن الجمال ، بل تتاجر بالقبح أيضاً . آخر صرعة أراها في بغداد هي تمثال أو نصب الجواهري ( هو نصب بالفعل ، لكن على ذقون العراقيين ) ، هل حقاً هذا ما يليق بمكانة شاعر العرب الأكبر ؟ ، ما هذه البلوى التي ابتلينا بها وما هذه السذاجة والوقاحة التي وقعت على رؤوس الناس . لا أفهم أبداً ولا أتصور ولا أتخيل ، بكل المقاييس الفنية والإنسانية والجمالية والتاريخية وحتى التجارية ، كيف نجيز تهشيم نصب (المسيرة ) للفنان خالد الرحال ونصنع عملاً للجواهري يحمل كل هذه السذاجة؟

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 3

  1. saad

    فقط اقول لماذا؟ هل العراق خالي من التشكيليين؟! هل يعجز العراقيون عن عمل نصب ابداعي يخلد المشاهير والمبدعين؟؟ ام ان الواسطة والتعرفة ستفرض علينا ان نشاهد (فزاعة)في شارع ما ويقول المعنيون انه نصب فني تذكاري؟!!! انها مصيبة حقيقية تحصل وسط سبات شعب ادمن النوم

  2. Sam_Wais

    عزيزي ستار كاووش العفو يبدو إنك لم تعرف الشاعر أحمد شوقي جيداً, كان من الأفضل أن تتأكد عن سيرته الذاتية قبل أن تباشر بكتابة مقالتك عنه, أود هنا أن أصحح لك خطأً كبيراً بخصوص أحمد شوقي وهو أنه ليس عربياً إطلاقاً كما ذكرت أنت في مقالتك وكما يعتقد البعض, بل ه

  3. ستار كاووش

    عزيزي سام ، لقد كتبت لك حول سؤالك هذا على الفيس بوك( حيث تكتب أسمك سامان )وسأعيد كتابتي هنا ، كلامك صحيح حول أصول شوقي وهذه المعلومات سهل العثور عليها في الويكيبيديا ، كان موضوعي حول أحتفاء بلد بشاعر ليس من بلدهم ، وقد كتبوا على الجهة اليسرى من قاعدة التم

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

العمود الثامن: محنة صاحبة الجلالة

 علي حسين كرّس فائق بطي حياته من أجل غنى الصحافة التي تعمّق فيها، فقد كان في إمكانه أن يحوّل مجموعة من تفاصيل هذه المهنة إلى حكاية يتداولها الصحفيون. وكان يلتقط من أروقة الجرائد،...
علي حسين

باليت المدى: الحياة جميلة… لكن!

 ستار كاووش تخيل أنك تغط في نوم عميق بعد منتصف الليل، وفجأة يرن صوت التلفون الذي يظل يتكرر حتى تصحو فزعاً. وهناك في الجانب الآخر يبدو المتصل غير مبالياً بفروقات التوقيت ولا بالإزعاج...
ستار كاووش

8 شُبَاط 1963: الانْقلاب اَلذِي مَا زال يُحدِّد مصير العرَاق اليوْم

عصام الياسري شكّل انقلاب 8 شباط 1963 محطة مفصلية في التاريخ السياسي العراقي الحديث، إذ جاء بعد أقل من خمس سنوات على قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي وإعلان قيام الجمهورية...
عصام الياسري

الدبلوماسية في ظل البعث: إستبداد الداخل وضغوط الخارج

حسن الجنابي (3من 4) مع دخول العراق مرحلة الحروب المتتالية، بدءاً بحرب إيران (1980-1988) ومروراً بغزو الكويت (1990) والحصار الدولي، تحولت الدبلوماسية العراقية إلى ميدان آخر للصراع. فقد أصبح السفراء والدبلوماسيون مطالبين ليس فقط...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram