لطالما احترمنا جميعاً الأستاذ الشاعر أدونيس، وما زلنا نحترمه بعمقٍ، إذ أن فاعليته وحيوية أفكاره كانت وما زالت تستثير الأسئلة في الثقافة العربيّة، وتستدعي مختلف ردود الأفعال، وتُحرّك المياه الساكنة، وتطرح الأسئلة. لعلّ الأوان قد حان لقول كلمة بشأن ثابته ومتحولّه الذي ذهب في الآفاق دالةً على مشروع القطيعة الذي يلحّ على ضروراته الشاعر والكاتب السوريّ، وآخرها في ندوة معرض القاهرة للكتاب التي استعاد فيها فكرة الثبات والتحوُّل والقطيعة.
في شروط محددة كالشروط الثقافية والسياسية التي تعيشها الثقافة والمثقف العربيّين يطلع القليل، بل الكثير من الالتباس بين هويّات الثابتين ومزاعمهم من جهة، وطبيعة المتحوّلين ومواقفهم العملية من جهة أخرى، فهم لا يبرهنون دائماً، أو إلا لفظياً، على التحوّل والانتقال إلى الضفة الأخرى.
في الواقع النظريّ الصرف يبدو المخطط الأوّل للثابت والمتحوّل مقنعاً ومغرياً. وفي الواقع العمليّ والشخصيّ لا تبدو خنادق دعاة التحوّل الراهنة إلا بين صفوف الثابتين الأزليين. هذا التناقض يمكن البرهنة عليه بالمواقف المعلنة والصحافة الثقافية والتصريحات الموسمية والمقالات البارعة لعدد كبير ممن قال لنا وما زال يقول إنه يقف على الدوام مع مشروع القطيعة، ونخشى أن يكون الأستاذ أدونيس من بينهم اليوم، ويا ليتنا على خطأ.
لنشر في البدء، وأعيننا مصوّبة إلى بعض المنابر التي يشتغل فيها المتحوّل بأجْر مادي مشروع، إلى وجود تناقض بين فكرة القطيعة التي يدعو لها والتصالًح الخفيّ لكن البيّن مع ما يدعو للقطيعة معه، بحيث يمكن للمرء أن يتساءل فيما إذا كانت ظلال هذا التناقض ستزول، قليلاً أو كثيراً، لو أنه كتب في منابر أخرى ليست موغلة بثباتها الأيديولوجيّ في الثقافة والسياسة. أو فيما إذا كان نثر الاستعارة والمجاز الذي نمتدحه لديه سيكون أقلّ مجازاً في منابر أخرى وفي الشروط الدرامية الراهنة التي نعيشها خاصةً. هذه الشروط عينها تتطلب، منطقياً، جلاءً وسطوعاً لمعاني ومواقع ومناسبات هذه (القطيعة) الأثيرة على قلوبنا جميعاً، مع بعض المرونة المرغوب بها، على كل حال، من أجل استكمال متطلبات الحوار.
كيف إذن يُتهم المثقفون العرب كلهم تقريباً، في محاضرة أستاذنا أدونيس في القاهرة، بعدم القطيعة مع الماضي في حين أنهم لم يتشبثوا جميعاً بعري المنابر الثقافية الموصولة بالماضي، ولم يتحدثوا جميعاً بهذه الإطلاقية والاستعارية بشأن المجريات والوقائع والأحداث الراهنة والجهات المرتبطة عضوياً بمشروع الماضي المعادي لأي قطيعة حقيقية؟. إذا كانت أصواتهم غير مسموعة بشكل جيد فلأن الظروف العامة التي تُسْمِع صوت أستاذنا لم تُسمع أصواتهم بشكل حسن بعد.
في المحاضرة ثمة لوم إطلاقيّ على المثقفين العرب قاطبة كونهم ليسوا من الحداثيين في الجوهر، وأن منجزات الحداثة الحقيقة حدثت في الماضي وليس في الحاضر، فهو يقول: "حداثتنا العربية خلفنا اليوم وليست أمامنا، إلا إذا غيّرنا مسار التفكير والعمل معاً. والسؤال: كيف حدثت هذه المنجزات في الماضي ولم تحدث في الوقت الحاضر؟ لا يُمكن الانتقال من مرحلة إلى مرحلة إلا بإحداث قطائع معرفية وجمالية كما حدث في العصر العباسي، وهذا لم يحدث اليوم داخل الانقلابات المعرفية الكبرى في القرنين الأخيرين". طيب، هل تنطبق طروحات الأستاذ أدونيس على المتحمّسين لها هم أنفسهم، فهو يتّهمهم أيضاً بذلك؟. لا يمكن القبول، لأنفسنا وللمتحمسين على حد سواء، بهذه المفاهيم الحاسمة، دون سجال وديّ معها وتلوين لها، غير مستبعدين فكرة أن قائلها لا يعترف إلا بنفسه خالقاً وحيداً للقطائع المعرفية والجمالية، وفي ذلك إفراط وأي إفراط.
نرى أن مشروع القطيعة المعرفية والجمالية قائم في الثقافة العربية المعاصرة، رغم الهزات والنكسات التي أصابته، ورغم كل نقد مقدّم للثقافة السائدة (وليس نفيها طرّاً). وخلافاً لخطاب أدونيس،فإننا نعرف يقيناً وجود أسماء وأصوات ثقافية مشرقة وعميقة ومتحوّلة يُراد إطفاؤها عمداً، أو مُداوَرة، أو غضّ الطرف عنها.
مشروع المتحوّل الجماليّ والمعرفيّ قائم في مشرق العالم العربيّ ومغربه، لكن بعض من يسعى لتحقيقه متردّد أو قليل الشجاعة أو متناقض بشكل لا يُطاق.
سيدي، هل أنت ثابتٌ أم متحوّلٌ أم بينهما؟
نشر في: 20 فبراير, 2015: 03:30 ص