(1-2)
ما الذي تغيِّره وسائط التواصل التكنولوجية الراهنة في علاقتنا بالصورة، بل ما هو مقام الفن برمته في هذه الوسائط؟. اتساع الموضوع، وحديثنا المتواصل عن الصورة منذ شهر تقريباً، يدفعنا إلى التوقف أمام الصورة وحدها، من بين جميع أنماط الفن.
فلنقل منذ البدء إننا نتحدث بالأحرى عن (فنون الوسائط) المُسْتحدَثة وليس عن (وسائط التواصُل) المُسْتحدَثة، عن فنون بالأحرى وليس قنوات اتصال، إذ لم تعد الصورة الآن إلا فناً من فنون الوسائط الإلكترونية. من السهل فهم ذلك، لكن من الضروريّ التشديد على فكرة مفهوم الشبكة أو الشبكة العنكبوتية التي صارت حاملاً للصورة، بل الخلق الجماليّ، وفيها تشتغل الصورة وتعبّر عن جمالياتها الجديدة. بمعنى آخر: إذا كان القماش فيما سبق حامل الصورة المرسومة، وورق الطباعة حامل الصورة الفوتوغرافية، فإن شاشة اليوم هي حامل الصورة عن جدارة.
لم تغيِّر الشبكة هذه من طبيعة علاقتنا بالصورة فحسب، بل غيّرت مفهوم الصورة نفسها عبر عملية (تفاعلية) حيوية وجسدية مثيرة بيننا وبين الصور المعروضة كل لحظة أمام شاشاتنا، ونحن (نلعب) بالصورة، نُكبّرها ونُصغّرها، نقصّها ونُحوّرها بل نصنعها صناعة.
مما يفكّك المفهوم القديم للصورة، في سياقٍ من التشويق والإثارة، أن هذه الصورة لا تَحْضر، مُفْردةً وحيدةً مؤطّرةً، في فنون الوسائط، فهذه الوسائط تسعى لإدماجها في الأشكال التقليدية من الفنون، مثل الرسم والنحت والموسيقى والفن الحديث وجميع الأنواع الفنية الممكنة، وتفترض أن إدماجاً كهذا باستطاعته خلق عالم افتراضيّ مُقْنِع، ذلك أن الفنون الوسائطية تقوم على المبدأ الذي يحكم العالم الرقمي (الديجتال) من الداخل: إشراك الحواس كلها إذا أمكن، البصر والسمع والشمّ والذوق واللمس. المتيسر منها بالفعل لغالبية الجمهور اليوم هي حواس البصر والسمع واللمس، والأخير عبر الماوس. لم تعد الفنون المختلفة منطوية في حدود ثابتة، وهي لا تتطور في الفن الرقميّ بمعزل عن بعضها، لذا ثمة خلق جديد لأنساق تعبيرية تتشكل منها كلها، وتَخْرج (للمتلقي) في لحظة مُتزامِنة. لعلنا نستطيع الحديث عن التزامُن الجماليّ بين مستويات متعدّدة بصفته معياراً ممكناً للصورة في عالمنا الر اهن.
مهمة الصورة الرقمية لم تعد فقط نقل العالم المرئيّ، توثيقه أو الاحتفاء به، لم تعد مكتفية بوظيفة تمثيل الواقع التقليدية، لأنها تقوم بمهمة خلق واقع جديد تماماً، يُسمّى الواقع الافتراضيّ. لم يعد التمييز بين الواقع والصورة بكافٍ. ثمة التباس بين الواقع المرئيّ الموضوعي، وواقع آخر يبدو ممكناً جداً رغم أنه ليس موجوداً موضوعياً. من هنا قدرة عدد كبير من المصوّرين الرقميين على خلق عوالم متخيّلة تشابه وتتخطى عوالم الرسّامين السورياليين فيما مضى.
نتحدّث لهذا السبب عن قطيعة بين الواقع والصورة، رغم أن الأخيرة تقدّم واقعاً مقنعاً، ومكتفياً بجمالياته وقادراً أيضاً على نقل رسالة، لو شاء مبدعها.
هل هذه إشكالية إضافية لمفهوم الصورة الإشكاليّ بالأساس؟. هل نحن أمام موت الصورة التقليدية، النسخة المُطابِقة للواقع بدرجات متفاوتة؟.
شخصياً، لم أتقبّل قط فكرة الموت في الفن التي انطلقت من موت المؤلف، ثم موت القارئ وموت الشعر.. الخ. أتقبل أفكار الانبعاث والتطوّر والتغيُّر والتراكب والتراكم.
تأخذ الصورة لنفسها مساراً جديداً في زماننا، بحكم التقنيات الحديثة التي لا عودة عنها كما يعلم الجميع: العالم الرقميّ، استخدامات الديجتال في كل حقل، الكومبيوتر الشخصيّ، برمجيات معالجة الصورة، وكذلك تقنيات التقاطها، وهذه كلها تخلق حسّاسية جديدة، مثلما فعل على الدوام كلّ تراكُم معرفيّ، ترك خلفه أسلافاً.
الصورة أم موت الصورة؟
نشر في: 10 يوليو, 2015: 09:01 م
جميع التعليقات 1
مثنى مكي
اعاد العالم الرقمي صياغة الفنون والآداب الانسانية بطريقة تشرك المتلقي بالعملية الابداعية احيانا كما في الادب التفاعلي. و أؤيد رأي الكاتب بعدم (تقبّل) فكرة الموت في الفن التي انطلقت من موت المؤلف، ثم موت القارئ وموت الشعر.. الخ. أتقبل أفكار الانبعاث والت