كان جاك بريل (1929 - 1978) يكتب نصوصه بنفسه. وحسب متابعتنا، تَعتبر الثقافة الفرنسية بريل شاعراً أقلّ مما تعتبره مغنيّاً كبيراً، النساء خاصةً. نعرف أن هناك كتاباً صدر عن "شعريته" (برونو هونغر وبول لدسكي: العالم الشعريّ لجاك بريل، هارماتان 1998)، وهناك صفحة على الفيسبوك مكرّسة له تحت عنوان (جاك بريل شاعر قبل أيّ أمر آخر).
لعلّ تقييم الثقافة الفرنسية لمفهوم الشاعر يختلف عن مفهوم الشاعر في ثقافتنا العربية التي تطلق صفة الشاعر على الزجّال والشاعر الشعبيّ ومؤلف الكلام العادي المقفّى ومؤلفي كلمات الأغاني الجيدة والهابطة، وفي العراق يقال للنائحة في المآتم (شاعرة)، وعلى الشاعر (ة) العميق (ة)، بالمستوى نفسه. الفرنسيون يحترسون على ما يبدو من إطلاق الصفة ويَحْذَرون، كأنّ للشاعر معنى أعمق وأرهف وابْصَر.
في الثقافة الفرنسية يوصف بريل بأنه "شاعر ومؤلف يُغنّي ما يكتبه chansonnier". ووصف بأنه مغنٍ وشاعر ومؤلف موسيقي، وقيل عن (نصوصه) الأولى في بروكسل بأنها كانت تتميز بحرية النبرة وعنف المشاعر. عندما صدر ألبومه الغنائيّ (عندما ليس لنا إلا الحبّ) عام 1957 وقع الترحيب به عالياً، بسبب "السطوة الشعرية لنصوصه المتأرجحة بين العذوبة والعنف". وفي مقالة يوم 3-1- 2016 في صحيفة لافيغارو الفرنسية، تكتب فاليري دوبونشيل بأن الشاب بريل "قارئ جول فيرن وجاك لندن، عضو الكشّافة السابق، والشاعر السابق الطموح ex-poète en herbe، الناجي من مصنع الورق المُقوّى العائليّ في بروكسل.."، كأنها لا تعتبره شاعراً عندما أدرك مجده.
في مقابلة عام 1973 مع جاك سانسيل وهو مقدّم برامج حينها، على هامش مهرجان مدينة كان، طرح سانسيل على بريل هذا السؤال: "أكان بإمكانك أن تكون شاعراً؟ بكلمات [كتبتَها] من قبيل "مع كاتدرائيات من أجل جبال فريدة، ونواقيس سوداء مثل صَوَارٍ ملساء" [...]، أليست هذه قصيدة؟". إجابة بريل: نعم، ليس حين كتابتها. ثم هذا السؤال: "ما الذي ينقصك لتكون شاعراً". جواب بريل: أنْ أؤمن بذلك.
ويعلق ناقل هذا الحوار القصير في مجلة (لا نوفيلست، العدد 37487 عام 2006) أن ثمة تواضعاً زائفاً في رفض بريل الإقرار بخصّيصته شاعراً، وما علينا إلا قراءة الفصل المعنون "بريل ونظم الشعر الفرنسيّ" في ملحق السيرة الذاتية التي كرّسها له أوليفييه توود الذي يذكر أن بريل كان على قناعة تامة بان ما يُنجزه إنما هو عمل شاعر. وهو في الحقيقة، يقول المعلّق، شاعر غير قياسيّ، يقوم بإنجاز ما لا يقوم الآخرون به وينقل عن كاتب السيرة: "في الأغنية وخاصة عند بريل، ولأنها تأويل في المقام الأول، فإن قواعد النظم الكلاسيكيّ، يقع الالتفاف عليها، تُحطَّم وتُنتَهك".
هنا بعض المفارقة، بسبب أن (الشاعر بريل) ليس مطلق اليد في نصوصه المُغناة، مثل الغالبية المطلقة من المغنين الأوربيين، إذ أننا نعرف أن عازف البيانو جيرار جوانيست كان يساهم معه في كتابة عناوينه الأكثر شهرة وأنه قد أغنى نصوص بريل ببساطة وفاعلية ألحانه، بينما كان عازف البيانو فرانسوا راوبير يُحسّن تناسقاتها وتوزيعاتها الموسيقية.
رغم ذلك يشفُّ بريل هنا وهناك، وليس نادراً قط، عن شاعر كبير. أليس هو القائل "لا يركع المرء إلا لاقتطاف زهرة"، والقائل إن "الطفل هو الشاعر الأخير في العالم، المُصِرّ أن يغدو كبيراً".
جاك بريل مثال جيّد بشأن تعريف ثقافتين لمفهوم الشاعر.
جاك بريل شاعراً ؟
نشر في: 3 يونيو, 2016: 09:01 م
جميع التعليقات 2
سامي عادل البدري
شكراً على هذه المقالة الجميلة الوجيزة، كأنها ترتدي بأناقة بعض أغاني بريل الزجيلة.
سامي عادل البدري
شكراً على هذه المقالة الجميلة الوجيزة، كأنها ترتدي بأناقة بعض أغاني بريل الزجيلة.