قلت لفرويد: تحدّثنا عن الفحولة الشعرية التي ألزمتني العودة للدلالة العميقة لمفهوم الأنوثة، وفيما إذا جاز لنا اليوم اقتراح (الأنوثة الشعرية) مقابلها، حلاً لإشكاليةٍ ومُفارَقةٍ دلاليةٍ ولفظيةٍ.
قال فرويد: استقراء طريف، وباب يتوجّب طرقه.
قلت لفرويد: عاودتُ قراءة الفعل (أنث) في لسان العرب فلم أجد به شيئاً مشيناً يجرح الأنثى كونها أنثى. فالأُنْثى خلافُ الذكر من كل شيء، والجمع إِناثٌ؛ وأُنُثٌ جمع إِناث. نحن أمام نوع طبيعيّ في الكائنات الحيّة وجنسيّ. عن النوع الإنساني، انظرْ ماذا يضيف اللسان: (ويقال هذه امرأَة أُنثى إِذا مُدِحَتْ بأَنها كاملة من النساء)، كما يقال رجل ذَكَر إِذا وُصِفَ بالكمال.
قال فرويد: الرائع يا بُنيّ هو أن مفردة أنثى هي مديحٌ صافٍ في تعبير اللسان أعلاه: "ويقال هذه امرأَة أُنثى إِذا مُدِحَتْ بأَنها كاملة من النساء".
قلت لفرويد: ظلال الكلمة أنثى، تتضمن إشارة مباشرة صريحة إلى الخصوبة والمائية والنبات. في اللسان أيضاً، أَرض مِئْناثٌ وأَنيثةٌ اي سَهْلة مُنْبِتة، خَلِيقةٌ بالنَّبات، ليست بغليظةـ وبلدٌ أَنِيثٌ أي لَيِّنٌ سَهْل؛ ومكانٌ أَنِيثٌ إِذا أَسْرَع نباتُه وكَثُر؛ قال امرؤ القيس (بمَيْثٍ أَنيثٍ في رياضٍ دَمِيثةٍ، يُحيلُ سَوافِيها بماءِ فَضِيضِ). ومن كلامهم (بلد دَمِيثٌ أَنِيثٌ طَيِّبُ الرَّيْعةِ، مَرْتُ العُودِ).
قال فرويد: فهل الإشارة صريحة لارتباط مفردة الأنثى - المرأة بالبلد الليّن السهل؟
قلتُ لفرويد: نعم سيدي. ذكر ابن الأَعرابي أَن المرأَة إِنما سُمّيت أُنثى، من البلد الأنيث، قال (لأَن المرأَة أَلْيَنُ من الرجل، وسميت أُنثى للينها) [لعله يعني أن اللّيْن ليس عيباً فهو من طبيعة الأنثى وهو ممتدَح فيها كما هو ممتَدَح في ليونة وخصوبة البلدان].
قال فرويد: نتكلم إذنْ عن الطبيعة والطبيعيّ والخاصيّة الطبيعية دون موقفٍ مسبق؟
قلت لفرويد: أجل، وهذا صالح لكلّ حقل آخر، فالأَنِيث هو ما كان من الحَديد غير ذكر. وحديد أَنيث غير ذَكِير. وهذا وصف محايد لظاهرة فيزيقية، وربما عُمِّمَ على ظواهر ليست طبيعية كالحديث عن السيوف مثل سيف مِئْناث ومِئناثة، إِذا كانت حَديدتُه لَيِّنة، بالهاء، تأْنِيثُه على إِرادة الشَّفْرة أَو الحديدة أَو السلاح. والذكر من السيوف شَفْرَتُه حديد ذَكَر، ومَتْناه أَنيث..... الخ.
قال فرويد: فما القول في الرجل الذي يتأنّث؟
قلت لفرويد: في المستوى الأول هو فعل وصفيّ لطبيعة إنسانية مَرِنة متسامِحة في الرجل، إذ يقال للرجل أَنَّثْتَ تَأْنيثاً أَي لِنْتَ له، ولم تَتَشَدَّد. وبعضهم يقول تَأَنَّثَ في أَمره وتَخَنَّثَ. في المستوى الثاني وصف لموقف أنثويّ متعمّد أو غير متعمّد، فيزيقيّ أو وراثيّ أو تربويّ من طرف رجل يُقلد الأنثى، فالأَنِيثُ من الرجال هو المُخَنَّثُ، شِبْه المرأَة؛ وقال الكميت في الرجل الأَنيثِ (وشَذَّبْتَ عنهم شَوْكَ كلِّ قَتادةٍ بفارسَ، يَخْشاها الأَنِيثُ المُغَمَّزُ). خلاصة اللسان هي أن التأْنِيث خلافُ التذكير، وهي الأَناثةُ.
قال فرويد: المستويات اللغوية كلها هنا لا تمشي بالتوازي والانسجام مع الممارسة الثقافية والاقتصادية في تاريخ العرب.
قلت لفرويد: تماماً سيدي، وهو موضوع آخر. وفيما يخصّ (الفحولة الشعرية)، أقترح (الأنوثة الشعرية) أو (الأناثة الشعرية) لوصف شعرٍ تكتبه وكتبته النساء دوماً، وكان منسجماً مع "المرأة الأنثى وهي الكاملة من النساء".
لسان العرب حسب سيغموند فرويد: الأناثة الشعرية
نشر في: 23 سبتمبر, 2016: 09:01 م