لستُ من أنصار تأويل الجملة الاعتراضية كما أوَّلها النحويون والقواعديون، الكلاسيكيون والجدد، بصفتها لا محلّ لها من الإعراب، وليست لها وظيفة نحويّة (كأن الوظيفة النحوية ليست وظيفة معنىً أيضاً)، ولستُ من القائلين إن الجملة الاعتراضيّة يمكن حذفها دون أن تتأثّر الجملة الأساسية، وأنّ لها معنيين رئيسيين: الدّعاء والتّفسير (كأن التفسير أمر قليل الشأن).
أحْسَن تأويلاتهم للجملة الاعتراضية تذكر أن الغرض منها هو التوكيد وتقوية الكلام وتحسينه، والتعليل، وبيان الحكم، والاهتمام، والاحتراس، وكلها وظائف جوهرية يقع التقليل من شأنها في الخطاب النحويّ التقليديّ.
إذا كانت الجملة الاعتراضية هي التي تقع بين شيئين متلازمين؛ كالمبتدأ والخبر، أو كالفعل والفاعل، أو كالصفة والموصوف فإن ما يقع (بين) إنما هو شرخ، هو برزخ، هو معنى أضافيّ أقوى من المعنى الأصلي أحياناً. اقرأ الآية المأخوذة مثالاً على تقوية الكلام وتحسينه: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ). إن الاعتراض بـ (ولن تفعلوا) إنما هو فحوى الموضوع وجوهره وليس هنا لتحسين الخطاب.
عندما تفرض الجملة المعترضَة، وهذا هو اسمها الآخر، نفسها وسط أجزاء الجملة الحقيقية، فإن فعل الاعتراض من القوة بل العنف بمكان بحيث أنه يُقْلق المعنى الأول ويَشْخص رديفاً له، كما في العبارة (وإنه لقسم لو تعلمون عظيم). هنا يقع التشديد على العلم، على إظهار قوة العلم والإيحاء بخلافه، الجهل. المضمر عبر (لو تعلمون) يشير إلماحاً لقضايا أخرى كبيرة، إضافة إلى بُعده النفسيّ التحذيريّ أو التوبيخيّ وقوّته الشاخصة.
نفرّق بين استخدامين للجملة الاعتراضية: التقليديّ والحديث. عند قراءة كتاب "الجملة المعترضة في القرآن: مفهومها وأغراضها البلاغية" للدكتور سامي عطا حسن مثلاً، وبعد التعرّف على أغراضها التقليدية الواقعة، حسب رأيه، في التنزيه، وتسديد المعنى، والتنبيه على أمر هام، ودفع الإيهام، والتعظيم، والتوبيخ، وتخصيص أحد المذكورين بزيادة التأكيد في أمر يتعلق بهما، والتعجيز، والتحدّي، يرشح أن الجملة الاعتراضية، صيغة مُبْهِرة، ذات وظائف أصلية تندسّ في ثنايا الجملة الأصلية، بمهارة، وتبدو للوهلة الأولى وكأنها محض جملة عابرة، في حين تقوم بقول معنى جديد، مداوَرَةً وبتلقائية عالية. لو تأملنا غالبية تلك الأغراض لوجدناها واقعة في سياق الوظيفة النفسية.
وهناك حسبما نرى الاستخدام الحديث للجمل الاعتراضية، الذي يقطع الجملة ليضيف معلومات، ويضيء طرفاً، ويستدرك على طرف آخر، ولكن أيضاً ليمرّر أفكاراً أخرى لتبدو من صلب الخطاب، وإنْ لم تكن. أنها تشخص كتلاعب بارع، أو حيلة بلاغية لقول غير المرغوب بقوله صراحةً. تبدو الجملة الاعتراضية في تاريخ النقد، الشعريّ والأدبي خاصةً، وغير الأدبيّ على وجه العموم، هي جوهر كلّ موضوع: الفحوى العميق للنص، بحيث يصير ما يحيطها مراتٍ كلاماً مألوفاً، رفيعاً أو أقلّ شاناً.
الجملة الاعتراضية في الخطاب الحديث تستهدف، من بين ما تستهدف، إضفاء الظلال واللُوَيْنات على الفكرة بحيث تبعدها عن أحادية الأسود والأبيض. وبحيث تستطيع تلمُّس المفارقات والتناقضات التي تنطوي عليها الأفكار والمصنّفات والشخصيات المُعالَجة، من دون استبعاد الخطاب المتخابث الذي يقول شيئاً ويُوْحي بشيء آخر. ولو تأملنا في غالبية أنواع الاستخدام الحديث للجملة الاعتراضية لوجدناها واقعة في سياق دلاليّ سيمونطيقيّ، ينطوي بدوره على البعد النفسيّ.
أضع الـ (لكن) في هذا السياق، وإن لم يُعتبر ما بعده جملة اعتراضية، رغم أنه حرْف يفيد (الاستدراك). لا نجد فارقاً حاسماً بين (الاعتراض) و(الاستدراك)، فتصير الـ (لكن) والحالة هذه من أشهر صيغ الاعتراض بالمعنى الحديث للمفردة: إذ مهما كان إيجابيّاً فحوى ما قبلها بشأن موضوعه، فإن ما بعدها يقوم بالتخفيف وإقلال وإضعاف وتلوين الفحوى برمته.
بين إضفاء اللُوَيْنات على الخطاب والتلاعُب به عبر الجملة الاعتراضية، ثمة إشكالية جديرة بالانتباه.
الجملة الاعتراضية في النقد الأدبيّ الراهن
نشر في: 7 أغسطس, 2015: 09:01 م