(1–2)
قال محدّثي الفنان يوسف الناصر، وهو يساريّ سابق مثلي، إنه لا يفهم معنى (الفن الإسلاميّ)، فقلت له بأنه: تعبير خاطئ اخترعه الأوروبيون لوصف أسلوب جماليّ وفنيّ موجود فعلاً، لذلك دائماً ما أكرّر التعبير "ما يُسمّى بالفن الإسلاميّ"، لأن المصطلح يخلط الدين وتعاليمه بالجماليات، مع البون الكبير بينهما. قال: هو الفن الذي أُنْجِز في بلدان الدولة الإسلامية، ولم يأت من خارجها. قلت له على الفور: الفن الإسلامي جوهره (composite)، ولا أعرف الآن كيف أترجم المفردة بدقة، فلأقل مبدئياً "مُركَّب" أي يُنشئ أو يُؤلِّف عملاً جمالياً مُوحَّداً، مُركَّباً من عناصر عدة قادمة من مصادر شتى، ويضعها في سياق جماليّ مخصوص وأسلوب عام مغاير لأصولها. قال محدّثي: هو "مُؤلَّف" بفتح اللام، وقد سمح بهذا التوليف أو التركيب انفتاح البلدان على بعضها طالما أنها وقعت تحت وصاية دولة واحدة. قلت له: أمنحُ المفردة (مُركّب) دفقاً إيجابياً بشأن هذا الفن، خلافاُ لإيحاء استخدام المفردة في الكتابات الأوربية عن الفن الإسلامي.
ثم ساء الفهم بيني وبين محدّثي، فقال: في أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد، كان عندنا درس الـ (كومبوزشن composition) بمعنى تأليف أو تركيب أو إنشاء لوحة. قلتُ: مفردتي ليست رديفا لكومبوزشن ولا هفوة مني، بل هي "مُركَّب" متكوِّن من عناصر متباينة الأصل وقادمة من فهرست تشكيليّ متباعِد في الجغرافيا والأسلوب. قال محدثي: الكومبوزشن هو أن تجمع عناصر متباينة لتكوين بناء جديد فيه وحدة وانسجام، كأن تضع وردة وإناء وسكينا وقطعة قماش وفاكهة لترسم لوحة متناغمة ومنسجمة وجميلة، ما الفارق؟ قد يختلف الأمر قليلاً عند التأليف الموسيقي.
فألححتُ أن مفردتي لا تذهب إلى هذه الدلالة. قال الناصر: في القاموس عثرتُ الآن فقط على مفردتك وهي تدلّ على "مادة مُركَّبة"، فيها مادتان أو أكثر مختلفتان ولكن متتامتان تركيبياً، تتحدان لتكوين خصائص بنيوية أو وظيفية غير موجودة في أيّ من العناصر كلّ منها على حدة. قلت له: هو كذلك، مع أني أظل قلِقاً من ترجمتي لها بالمركَّب. قال: في علم الكيمياء، هنالك، حسب ما أتذكر، شيئان هما المركّب والمحلول. المركّب تبقى عناصره محتفظة بخصائصها بعد المزج. والمحلول تفقد عناصره طبائعها ويُخْرج مادة جديدة لا تنتمي لأي من العناصر الأولية. قلت: أفهم الآن لماذا اختار دراسو الفن الإسلاميّ مفردة مركّب. هذا الاختيار ينطوي على استهانة بأصالته، فإن مُركَّب الفن الإسلاميّ ليس خليطاً هجيناً مُصطنع العناصر، حسبما أسقطوا المصطلح مجازياً على الحقل الفنيّ. قال صاحبي: من الأكيد أنك سمعتَ بالمحاليل الكيميائية، والجمع أكثر شهرة من محلول بالمفرد. قلتُ له: علينا الآن معرفة المفردتين بالإنكليزية لاقتراح وصف دقيق لهذا الفن قدر الإمكان. قال محدثي: المركب هو (Composite) والمحلول (Solution). وفي القاموس المحلول مادة متجانسة تتكون من مادتين أو أكثر، وقد تكون هذه المواد صلبة أو سائلة أو غازية أو خليطاً من ذلك كله. قلت له: نعم، كان على أولئك الدرسين لو توفرت النيّة الحسنة القول إن الفن الإسلامي محلول بالمصطلح الكيمائيّ، لكنه محلول جماليّ بالأحرى تختلط فيه العناصر وتندغم. هذه مقارَبات جيدة وجديدة بفضل ذاكرتك الدراسية البديعة. من جديد فلنقترح أن الفن الإسلاميّ (مركّب) بمعنى (محلول)، فهو يشكّل مادة عامة متجانسة تتكوّن من مادتين أو أكثر.
قال صاحبي: الفن الإسلاميّ متجانس شكلياً كما يعرف الجميع.
هل مصطلح (الفن الإسلاميّ) دقيق وسليم؟
نشر في: 10 يونيو, 2016: 09:01 م