قال محدّثي الفنان يوسف الناصر: عليك الآن أن تنقب وتبحث لتنحت كلمة جديدة تَصِفُ "الفن الإسلاميّ". قلت له: إشكالية التسمية عويصة، رغم أن بعضهم حلها بضربة واحدة مثل الأستاذ عفيف بهنسي بإطلاق (الفن العربيّ) عليه، وقد تكون تسمية (فن الشعوب الإسلامية) ممكنة، أو (فن الحضارة الإسلامية). سأقبل بمصطلح "فن إسلاميّ" لو أن لغتنا كالفرنسية تفرّق في الكتابة نفسها بين كلمة إسلام بالحرف الصغير (islam) وإسلام بالحرف الكبير (Islam)، الأولى هي الدين الإسلامي، والثانية هي الحضارة الإسلامية. قال محدّثي: عظيم هذا مفيد جداً. قلتُ له: لكن لا شيء من هذا القبيل في كتابتنا العربية. ولعل (فن المسلمين) بديل جيد أيضاً. قال الناصر: الكتابة عندنا واحدة فلا يوجد حرف مائل (إيطالي) مثلاً وهو يعني شيئاً خاصاً بالإنكليزية، ثم أن الكثير من صُناع هذا الفن لم يكونوا مسلمين. قلتُ لمحدثي: كان الفرنسيون سابقا يسمونه (فن المُسْلم) أو المسلمين كما يمكن ترجمة مصطلحهم Art musulman)، أي بالإنكليزية Muslim Art)، ثم عدلوا عن ذلك، ولعلهم كان يقصدون "المتأسلمين" في نهاية المطاف وإنْ كان بدلالة مُضْمَرةً. وهذا خلافاً لاستخدامهم الراهن (Art islamique) الذي يُعادِل حرفياً الفن الإسلاميّ، وهو كذلك اليوم في جميع اللغات الأوربية. وأعتقد أن القول (فن المسلمين) كان مقترحاً جيداً لو اسْتُخدِم بنيّة حسنة، خاصة وأن كل فن آخر كان قد ساهم بتكوينه غير أتباع الديانة السائدة، كالفن الصينيّ الذي ساهم به سوى أتباع الطاوية، والقوطي كذلك الذي ساهم بإنجازه اليهود الأوروبيون. قال محدثي: نعم، هو ليس فن الدين والفقه أو الفهم الإسلامي، بل هو فن الناس في الفترة الإسلامية. قلت له: وهؤلاء هم المسلمون ومن كان في "دارتهم" من النصارى واليهود والهنود والروم والصينيين والأيغور والترك والأكراد والفرس والأرمن... الخ، كما في دارة أية ثقافة وحضارة أخرى. قال محدّثي: أرى أن من الممكن نحت كلمة جديدة. قلت له: تفضّلْ سيدي. قال محدثي: لماذا لا نسميه بـ "فن العصور الوسطى" أو "النهضة" كما يفعل الأوربيون. قلت للناصر: صعب قليلاً، لأن المحمول النفسيّ والاصطلاحي الأوروبيّ لمفهوم العصور الوسطى، واقع في نطاق التخلف والظلامية، بينما النهضة مرتبط بموضوع الحداثة والتجديد بشكل عام. قال محدثي: حسنا، "فن الإسلامية" لكأننا نعتبر ياء النسب في "الإسلامية" إحالة إلى الدولة الإسلامية، خلافاً للإسلاميّ الذي ياء نسبه إحالة للدين. قلت لمحدثي: ما زلت أظنّ أن ياء النسبة هذه لن تكون واضحة في الأذهان، إلا بعد وقت ومراس طويل، فالمصطلحات عرفية دائماً. قال محدثي: دعني إذنْ أحوّر مقترحك السابق وأقول "فنون الدولة الإسلامية" بالجمع وليس فناُ بالمفرد. قلت لمحدثي: هنا أيضاً أحسب أن كلمة فن في غالبية استخداماتها تُستخدَم جمعاً بصيغة المفرد، فأنت تقول الفن الأوروبيّ وأنت تقصد الفنون الأوروبية، وتقول الفن اليابانيّ وتقصد الفنون اليابانية. ممكن الاتفاق، لو أجْمع المعنيون في ثقافتنا، عبر السجال أو المعرفة الواعية أو العُرْف، على المصطلح المُقترَح. قال محدثي: أو فلنقل "فن" أو "فنون الفترة الإسلامية". قلتُ لمحدثي: أتفق معك عموماُ، بتحفّظ واحد هو ألا وهو عدم انسيابية وسهولة المصطلح المُقْترَح. قال محدثي: أو هو فنون الحقبة الإسلامية. قلت لمحدّثي: هنا عقبة جديدة، وهي إذا كانت حضارة الإسلام تشكّل بالفعل حقبةً معينةً، وما الذي نقصده بالحقبة. قرأتُ في لسان العرب أن الحُقْب ثمانون سنة وأن الحُقب هو الدهر والأحقاب الدهور، وقيل الحُقب السنة أو سنين. ليست مفردة الحقبة محدّدة بما فيه الكفاية.
يُتبع حلقة أخيرة
هل مصطلح (الفن الإسلاميّ) دقيق وسليم؟ (2–3)
نشر في: 17 يونيو, 2016: 09:01 م