كنتُ أودّ، منذ بعض الوقت، كتابة شيء يتعلق بعنوان هذا العمود. أوّل من أمس وعبر خطأ كتابي خرج لدي في الويب تعبير مفاده (شعر اليأس)، ثم استشهادات عن اليأس. من باب الفضول، ولأننا في العالم العربي نعيش بعض اليأس، رحتُ أقرأ بنهمٍ. فقرأتُ ما قاله البير كامو: "بعض الاستمرارية في اليأس يمكن أن ينجم عنها الفرح"، ولفيكتور هيغو: "لا تستسلم الروح لليأس إلا بعد استنفادها لجميع الأوهام"، وقرأت لآلان فورنييه: "ما فائدة أن يقتلع المرء نفسه من اليأس لكي ينغمر فيه لاحقا بشكل لعله أعمق [مما سبق]"، وقرأت لمارسيل آشار: "اليأس هو الخطيئة الوحيدة التي لا تُغتفر"، ولإرفين د. يالوم: "اليأس في نظري هو فدية البصيرة. انظروا مباشرة إلى الحياة، لن تجدوا سوى اليأس".، وقرأتُ لماتياس إينار: "أعرف أن البشر أطفال يطردون يأسهم بالغضب، [يطردون] خوفهم إلى حب الفراغ، ويجيبون وهم يبنون قلاعاً ومعابد"، وقرأتُ للأب بيير: "لا حرب رابحة، ولا حرب حتى مُخاضة. ميدان المعركة يكشف للإنسان عن جنونه ويأسه". وقرأتُ لدافيد فوينكينوس: "كانت كلماته تحثّها هذه الطاقة المثيرة للعطف قليلاً، لكن تلك التي كان اليأس يجعلها مؤثرة"، وقرأت لكافكا: "من لا يَصِلُ، مفعماً، إلى نهاية الحياة، يحتاج إلى يد تُبْعِد قليلاً اليأس الذي يقرر له مصيره". ثم: "الحياة التي خَلقتِ اليأسَ أقوى من اليأس" (الآن غرانبوا). "موقف اليأس أكثر رعباً من اليأس نفسه" (البير كامو). "رائحة النفط، يبدو لي، هي الرائحة التامّة لليأس البشريّ، إذا كان لليأس البشريّ رائحة" (بيير ماك أورلان). "اليأس هو فشل مسبق" (كارل ديبيرس). "الحب هو اليأس المستقيل" (ميغيل دي أونامونو). "الاكتئاب يأس لا حيلة له" (ليو فيريه). "غالباً ما ربح اليأس المعركة" (فولتير). "المنتوج الأكثر وضوحاً للإلحاد هو اليأس" (جوليان غرين). " الفعل هو ترياق اليأس" (خوان بييز). "كل [نوع من] اليأس مسموح به" (بيير لوليت). "البراءةً تُنقذ اليأسَ" (أندريه روشيت). "الحُبّ الأسْود هو كياسة اليأس" (أشيل شافيه).
هذه بعض الاستشهادات التي ظللت أقرأها وأترجمها لنفسي، وأنا أقارِب بينها، واعياً، وبين الموضوع الذي يشغل بالي: الشعر، وفيما إذا كان الشعر يَصِل بنا أيضاً إلى مرحلة اليأس، وما هي طبيعة اليأس عند الشعراء. هذا اليأس الضارب الذي اخْتُبِرَ طويلاً، في الثقافة العربية أيضاً، وخيضت المعارك الوجودية والثقافية وقيلت التُهَم بسببه.
في الشعر، نعم اليأس هو الفدية التي تقدّمها البصيرة لتتشبث بالباصرة. والشعراء، أجل، أطفال يجيبون على الغضب واليأس والعدم يائسين. وإذا ما كان الشعر نوعاً من معركة فلا ربح فيه ولا خسارة، أنه يُخاض فحسب لكي يَكْشِف للشعراء عن جنونهم ويأسهم، مع أننا سنعتقد بأن الجنون، هذه المفردة المُستخدمة غامضة في العربية ودون احترام، يتضمّن بعض الحكمة أو كلها.
قوة اليأس في الشعر وتأثيره العاطفي الساحق أقوى من المرح والفرح. أنه فوّاح منتثر في الأرجاء، يمسّ الحميم في الوجود، وهو في آن واحد، في هذا الشعر نفسه، حُب مُتَنَحٍّ وفشل مُعْلَن
ومنخوليا من دون أفق. ثم أننا رأينا دوماً، وفي الشعر دوماً، الحلول التي يخترعها الياس: المحبّة السوداء، الطرْفة الكيّسة، الفعل الاجتماعي والثقافي بل السياسي والبراءة.
لقد بدا لنا أن أفضل النقاد يمكن أن يكتب عن مجموعتي الشعرية أو ديوان غيري ما كتبه دافيد فوينكينوس في سياق آخر: "كانت كلمات [لعيبي] تحثّها هذه الطاقة المثيرة للعطف قليلاً، لكن تلك التي كان اليأس يجعلها مؤثرة"، لكن من أين لنا بناقد يائس كهذا؟
في مديح اليأس في الشعر
نشر في: 22 يوليو, 2016: 09:01 م