في بلدان عريقة، كالعراق الذي يَضْرِب فيه الشعر الشعبيّ جذوراً عميقة، ويوجد له فيه أنصار ومتحمّسون ومؤرّخون، لا يقع، للأسف التفريق بين الشعر الشعبيّ والشعر الشفاهيّ. لقد حُسِبَ الشعر الشفاهيّ: الموروث والمُتناقل عبر الألسنة والمُغنّى والريفيّ والأهزوجة التحريضية والعُرسيّة وأغاني تنويم الأطفال.... الخ شعراً شعبياً. بينما حُسب الشعر الشعبيّ من جهة أخرى، نمطاً مُعقَداً، ذا أوزان ثابتة وشروط تقنية ونهايات محسوبة ومدّونة معروفة (مكتوبة في الغالب) ويمثله شعراء بعينهم، قدامى ومحدثون. نقاط الوصل بين الشفاهيّ والشعبيّ أمر بديهيّ دون أن يكونا بالضرورة نمط الشعر نفسه على كل صعيد.
في القراءة النقدية لمجمل ما كُتب عن الشعر الشعبي العراقيّ مثلاً (والعربيّ عموماً)، لا نسقط على تعريف منهجيّ صارم. جُل الكتابات العراقية تذكر وجود نمط كلاسيكي ونمط حديث، وتشدّد في ذلك على الزاوية الوزنية إلى حدّ كبير، وضمنا بالطبع على استخدامه محكيّة البلاد. لكن هذه الكتابات لا تفعل في الحقيقة سوى إقامة مُقارَبَة توازي، في جميع التفاصيل، بين الشعر الفصيح والشعر الشعبيّ، ومما يرشح منها أن الشعر الشعبي الكلاسيكيّ هو، تعريفاً، "الشعر الموزون المقفى". وهو تعريف لم يعد مقبولاً حتى عند تعريف الشعر العربيّ الفصيح التقليديّ نفسه.
لو أننا اقترحنا مدخلاً آخر لهذا العمود غير الأسطر أعلاه، لاقترحنا كتاب الفرنسيّ بول زومتور "مدخل إلى الشعر الشفاهيّ" (ترجمة وليد الخشاب، دار شرقيات للنشر والتوزيع، ط1 عام 1999)، لأنه يقول شيئاً جوهرياً في التفريق بين (الشعر الشعبيّ) و(الشعر الشفاهيّ). الصوت son أولاً هو العنصر المؤسِّس للشفاهيّ، ليس فقط على المستوى المباشر، وإنما على صُعُدٍ عديدة متداخلة، تذهب كلها إلى الوجوديّ الأعمق، واللاوعي الذي يشكّل ذاكرته، ويقوم في عموم الشفاهية محوراً. لا يقتنع زومتور بمجهولية هويّة قائلي ذلك الشعر لكي يصنفه شعبياً أو فلكلورياً ويجد الدلائل كل مرة أن الشفاهة هي المفصل الأهمّ في هذا النوع من الشعر. الصوت في الشعر الشفاهيّ يحيل من جهة أخرى إلى الأداء، والكلمة ترجمة للمفردة الفرنسية performence العصيّة قليلاً على الترجمة، على أن المؤلف يُعرّفها بأنها "فعل مركّب يتم من خلاله نقل الرسالة الشعرية وإدراكها في آن: هنا والآن، وحيث يتقاطع محورا الاتصال الاجتماعي: المحور الذي يَصِل المتكلم بالمؤلف، وذلك الذي يتحد فوقه الموقف والتراث. وهو يستخدم التراث ليس بالمعنى الأيديولوجيّ العربيّ، إنما بمعنى الإرث أو الموروث.
شفاهة وأداء يجدان مكانا جذرياً لا محالة في عمل ووظائف الشعر النسائيّ العربيّ المُغنَّى مثلاً (الدارمي) أو المُؤدَّى في الأعراس. يذكر زومتور في مكان آخر من عمله أن الهيكلة الشعرية في النظام الشفاهيّ لا تقوم بعملها مستعينة بخطوات تنزع للنحوية – كما يفعل الشعر المكتوب على نحو شبه مطلق- [ونضيف الوزنية] بقدر ما تلجأ لإخراج الخطاب مسرحياً، ولذلك يتضمن الشعر الشفاهيّ بصفة عامة قواعد أكثر عدداً وأعظم تعقيداً من المكتوب. وهنا يميز بين (العمل) و(القصيدة) و(النص). العمل: هو ما يتمّ توصيله شعرياً هنا والآن من نصٍّ وأصوات وإيقاعات وعناصر بصرية، فهو إذنْ يحيط بمجمل عوامل الإداء. القصيدة هي نص ولحن العمل كذلك إن وُجِدَ دون اعتبار للعوامل الأخرى. أما النص فهو السلسلة اللغوية التي تُدْرَك سمعياً والتي لا يقتصر معناها الإجمالي على مجموع التأثيرات الخاصة الناجمة عن مكوناتها المدركة بشكل متوالٍ. الإداء لذلك، كما يقول، "عنصر مهم في الشكل، ومؤسس للشكل في آن. بالنسبة للنص وحده (على نحو ما نقرأ أغنية بعد تثبيتها كتابةً) يعمل الأداء كما تعمل المؤثرات الصوتية..".
هذه المقدمة بحاجة، طبعاً، إلى المزيد من التأمل والتعمُّق.
الشعر الشفاهيّ والشعر الشعبيّ
نشر في: 26 أغسطس, 2016: 09:01 م