قال فرويد: مادمنا نُقلّب لسان العرب بحثاً عن الفعل (خَلَقَ)، فقد كتبتَ يا بُنيّ أكثر من مرة عن اختلاف معنى الشعر في الثقافة اليونانية عن معناه العربيّ. وذكرتَ بأنه يعني في اليونانية عملية الخلق (الإبداع)، ويعني بالعربية الشعور أي المعرفة. أما زلتَ هناك؟
قلتُ لفرويد: مازلتُ إلى حدّ كبير، وأنا أقرأ دلالات الفعل خَلَقَ. التي أجد فيها دلالة الاختلاق، في المواضع التي تعنينا. فالخَلْقُ في اللسان هو الكذب [أي الاختلاق] وخلَق الكذبَ والإِفْكَ يخلُقه وتخَلَّقَه واخْتَلَقَه وافْتراه ابتدَعه ومنه قوله تعالى "وتخْلُقون إِفكاً".
والأغرب ذِكْر اللسان قولهم "هذه قصيدة مَخْلوقة" أَي مَنْحولة إِلى غير قائلها، ومنه قوله تعالى: "إِنْ هذا إِلا خَلْقُ الأَوَّلين" فمعناه كَذِبُ الأَولين وخُلُق الأَوَّلين قيل شِيمةُ الأَولين وقيل عادةُ الأَوَّلين ومَن قرأَ خَلْق الأَوَّلين فمعناه افْتِراءُ الأَوَّلين؛ قال الفراء (من قرأَ خَلْقُ الأَوَّلين أَراد اختِلاقهم وكذبهم ومن قرأَ خُلُق الأَولين، وهو أَحبُّ إِليَّ). أراد بأنه يفهم العبارة بمعنى عادة الأَولين. ثم يضيف اللسان هذه الإضافة الدالة (والعرب تقول حدَّثنا فلان بأَحاديث الخَلْق، وهي الخُرافات من الأَحاديث المُفْتَعَلةِ)؛ وكذلك قوله "إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاق" وقيل في قوله تعالى "إِن هذا إِلاَّ اختِلاق" أَي تَخَرُّص. وفي حديث أَبي طالب "إِنْ هذا إِلا اختلاق" أَي كذب، وهو افْتِعال من الخَلْق والإِبْداع كأَنَّ الكاذب تخلَّق قوله، وأَصل الخَلق التقدير قبل القطع. وقال الليث (رجل خالِقٌ أَي صانع، وهُنَّ الخالقاتُ للنساء).
قال فرويد: ألستْ جيدة خلاصة الليث (رجلٌ خالِقٌ أَي صانع وهُنَّ الخالقاتُ للنساء)؟
قلتُ لفرويد: أراه يعني رجلاً صانعاً للافتراءات أو هو صانع على محمل ابتذال الصناعة، والنساء الخالقات أي المختلقات، فإني لم أجدُ من يمنح في ثقافتنا الكلاسيكية للنساء دور خالقات الخليقة، بالمعنى الحديث للمفهوم. نعم، إنهنّ حرْثٌ لكم، أي خَصِبات، وهذا أمر مختلف.
قال فرويد: نعود إذنْ إلى المربّع الأول أنْ لا خالق إلا الله.
قلتُ لفرويد: نعم غالباً. وهنا فإن دلالة الخَلْق التي نستخدمها اليوم، كقولنا (الخلق الشعريّ) أو الروائيّ، قد لا تكون مفهومة قط لو سمعها متلقٍ من قرن ابن منظور مثلاً، ولفهمها بمعنى (الاختلاق الشعريّ) والانتحال الأدبيّ. لأن استخدامنا للمفردة يعود إلى أوائل الترجمات العربية من الفرنسية التي وجدت أن (création) تعني الخَلْق في الحقل الشعريّ وغيره، وهي لم تكن تُدرك أن مفردة شعر (بويزيز poíêsis) اليونانية تعني الفعل الخلّاق على محمل حقيقيّ للفعل، أي الخَلْق ببساطة.
قال فرويد: أضفْ لذلك أن الشاعر الذي كان يُسمّى عند اليونانيين في البدء مُغنيّاً (aède )، كان يُعتبر خالقاً أو الفنان عن جدارة، لأنه يخترع، في وقت غنائه، اللسانَ بمجازاته وإيقاعاته وإحكام بنية نصه. أنتَ تعلم يا بُني أن أفلاطون اعتبر الحالة الشعرية موصولة بالإشراق والتجلّي الإلهي.
قلتُ لفرويد: ولعل الكتاب المقدّس الذي اعتبر الشاعر نبياً أو فماً ناطقاً باسم الربّ متصل بالفهم الأفلاطونيّ، ومثل ذلك الفهم العربيّ الأصليّ للشاعر (العرّاف العارف).
قال فرويد: خلافاً لأفلاطون يضع أرسطو مفهوم الشعر في إطار مقولة (المحاكاة) التي يُخيَّل لي أن العرب جهلوها تطبيقياً، رغم معرفتهم إياها نظرياً عبر ترجماتهم لكتابه (فن الشعر).
الشعر: المُنتَحَل والمعرفيّ؟
نشر في: 6 يناير, 2017: 09:01 م