(2-4)
الكاماسوترا التي هي جزء من الكاماشاسترا Kâmashâstra الجامعة لجلّ المصنفات الهندية المتخصصة بفنون الحبّ والممارسات الجنسية، لم تكن تتضمّن تصاوير أيروتيكية إلا بدءاً من القرن الخامس عشر للميلاد، خاصة تلك المجموعة من المنمنمات التي امتلكها الإمبراطور المغوليّ جلال الدين محمد أغا أكبر. عرفت الكاماسوترا في العالم بسبب صور الـوضعيات الـ 64 التي تتضمنها رغم أنها لا تشكل إلا سبعة كتب من العمل (سبعة أقسام، 36 فصلاً، 64 فقرة ونحو 1250 سْلُوْكَا (قصيدة هندية slokas).يتطلب الوصول إلى اللذة، حسب الكاماسوترا، استخدام الحواس الخمس والعقل والروح، لذا فإن العمل ليس مُكرّساً للجنس (المبتذَل)، إنما يعالج أسلوب الحياة التي يتوجّب على الإنسان المتعلم متابعتها، بما في ذلك استخدام الموسيقى والطعام والعطور.
عُرفت الكاماسوترا في ثقافتنا العربية، دون أدنى شك، فالأمام السيوطيّ (القاهرة 1445 - القاهرة 1505) لا يجيز في إحدى رسائله المضاجعة في الماء بسبب أن "حكماء الهند يكرهونه ويحكمون عليه بعدم اللذة، ولذلك لم يضعوا له صورةً في كتبهم"، كما يقول حرفياً. الأمر الذي يعني أن السيوطي كان مُطّلعاً على مبادئ وتصاوير الكاماسوترا، أو نسخة عربية منها (انظرْ: جلال الدين السيوطي: نزهة المتأمل ومرشد المتأهل في الخاطب والمتزوج، تحقيق د. محمد التونجي، دار أمواج للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت 1989، ط2، ص89).
قبله ذكر الجاحظ (البصرة 159 هـ- البصرة 255 هـ) المعلومة نفسها: "أربعة أشياء ممسوخة البركة: أكل الأرز البارد والبوس على النقاب والغناء من وراء الستارة والجماع في الماء". كراهية الجماع في الماء لم يُسمع بها في القرآن والسنة والصحابة، وتبدو من المعطيات التي دخلت الثقافة العربية في زمن الجاحظ بسبب وفرة التأثيرات بالثقافة الهندية، وكثرة المثقفين العرب من أصل هنديّ، وكان بعضهم من سكّان البصرة قرب الجاحظ نفسه.لقد عُرف عن الجاحظ، المفكر العقلانيّ، المعتزليّ الموسوعيّ، عدم تحاشيه الخوض في الموضوع الأيروتيكيّ، وهو ما تشهد عليه كتبه ورسائله، فهل كان مطلعاً عن كثب على الكاماسوترا ومفاهيمها وتصوراتها المتعلقة بالوضعيات الجنسية؟. ملاحظاته الصغيرة هنا وهناك، مثل التي أوردنا، لا تدع عندي مجالاً كبيراً للشك. لكن مقارَبة الفصل الذي كرّسه مؤلف كتاب (رجوع الشيخ إلى صباه) تحت عنوان "الباب الثامن عشر في ذكر كيفية أنواع الجماع وما يجلب بصفته الشهوة وينبّه الحرارة الغريزية" والذي يبدأ بالقول: قال عمر بن بحر الجاحظ: كان بالهند امرأة... الخ، ثم مقارنته بالفصل السادس من الكاماسوترا الهندية، وهو الفصل الوحيد المكرّس لوضعيات الجماع، سوف تفتح المجال عريضاً للزعم أن هذا الباب، في الأقل، ليس سوى ترجمة تأويلية لفصل الكاماسوترا السادس.
من هو مؤلف (رجوع الشيخ إلى صباه)، ولماذا نُسِب بعض الباب الثامن عشر منه للجاحظ؟."كتاب رجوع الشيخ إلى صباه في القوة على الباه" هو مصنّف للإمام أحمد بن سليمان بن كمال باشا قام بتأليفه بإشارة من السلطان سليم الأول. طبع في مصر سنة 1891م. في مقدمته يعترف ابن كمال أنه قام بعمل توليفيّ محض: "وقد جمعته من الكتب المصنفة في الباه وغيره ككتاب الباه للنحلي وكتاب العرس والعرائس للجاحظ وكتاب القيان لأبن حاجب النعمان وكتاب الإيضاح في أسرار النكاح وكتاب جامع اللذة لابن السمسمانى وكتاب برجان وجناحب وكتاب المناكحة والمفاتحة في أصناف الجماع وآلاته لعز الدين المسيحي فألفتُ وجمعتُ منها هذا الكتاب".لم أجد في جميع مؤلفات الجاحظ المنشورة كتابة تتعلق بأوضاع وأسماء الجماع، سوى أن تكون في رسالته (العرس والعرائس) المفقودة (لعل منها نسخ مخطوطة في جوتا رقم 2055، وأحمد الثالث رقم 2538/ 7، ق 144-156، ونجيب باشا 259/ 3، ق146-160)، لم أحصل عليها، وهي ليست منشورة، وغالبية من أشار إليها من الباحثين إنما كان يستند إلى مقدمة ابن كمال.
الكاماسوترا حسب رواية الجاحظ
نشر في: 20 يناير, 2017: 09:01 م