(3-4)
لم نجد في جميع مؤلفات الجاحظ المنشورة كتابة مطوَّلة تتعلق بأوضاع وأسماء الجماع، سوى أن تكون في رسالته (العرس والعرائس) غير المنشورة التي كان غالبية من أشار إليها من الباحثين يستند إلى مقدمة ابن كمال في "رجوع الشيخ إلى صباه". وأعتقد أن سليمان بن كمال باشا (ت 1534م) كان رجل ثقة، وليس بإمكانه أن يعزو للجاحظ كلاماً لم يقله.
وفي الحقيقة لا نعرف أين تنتهي الفقرة المنسوبة للجاحظ في (رجوع الشيخ إلى صباه)، فهو يبدأ بالقول: قال عمر بن بحر الجاحظ: "كان بالهند امرأة تعرف بالألفية..."، ويستمر بإيراد حديثها عن أنواع الجماع حتى قولها: "فأول ذلك وهو الباب العام الذي يستعمله أكثر الناس ومنهم من لا يعرف غيره: الاستلقاء". وهنا نفترض أن ما نُقل عن الجاحظ ينتهي بنهاية فقرة (الاستلقاء) وشروحاتها عنه، رغم أن الكتاب يمضي متحدّثاً عن (القعود) و(الاضطجاع) و(الانبطاح) و(الانحناء) و(القيام).المثير أن فقرة (الاستلقاء)، بأبوابها الأحد عشر المتعلقة بـ (وضعيات الجماع)، تطابق إلى حدّ معقول الفصل السادس من الكاماسوترا. هذه ليست صدفة، وإنما عودة مباشرة للكاماسوترا وتوليفاً لها. وإذنْ لدينا نسخة أكيدة، معرّبة ومؤوّلة من الكاماسوترا الهندية، وهو ما نحاول البرهان عليه.
لا شك عندي أن نسخاً من العمل الأدبيّ المكتوب كانت موجودة منذ زمن الجاحظ، وأن نسخاً من تصاوير الكاماسوترا كانت موجودة في زمن السيوطيّ القرن السادس عشر، طالما أن التصاوير الهندوسية نفسها لم تظهر للوجود إلا في القرن الخامس عشر الميلاديّ. فقد رُسمت أهمّ تصاوير الكاماسوترا الجنسية للإمبراطور المغوليّ جلال الدين محمد أغا أكبر (1542- 1605) الذي حكم بين (1556 – 1605) أي منتصف القرن السادس عشر – بداية السابع عشر الميلاديّ. بعد ذلك ظهرت نسخ فارسية ثم قجارية، يعني إسلامية، مصوّرة (بالمنمنمات) من الكاماسوترا ترقى للقرن السابع عشر، تلتها أخريات في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين.
النتيجة التي توصلنا إليها هي أن تصاوير الكاماسوترا الجنسية الصارخة (الرسوم وليس النصّ الضارب في القِدَم) أنْجِز بعضها، بل الكثير منها، بشكل واسع النطاق لصالح حكّام مسلمين هنود أو لمستهلكين مسلمين في شبه القارة الهندية ومن ثم بلاد فارس. ولعل هناك نسخة عربية ضائعة هي تلك التي يشير لها السيوطي. بعضهم في العالم الإسلامي لم يرَ قطّ البعد الروحيّ، والصوفيّ المقصود من وضعيات الجماع في الكاماستورا.
ها هنا ليست نتيجة مفرطة قط، ويؤكدّها لنا مقال لكاتب هنديّ بعنوان (الكاماسوترا: ما بعد الجنس)، منشور بتاريخ الأول حزيران 2013، يقول فيه: "العديد من الهندوس يعتبرون الكاماستورا (كتاباً وقحاً)، بل ويذهب بعضهم إلى عدم احترامه بوصفه كتابة فيدية Vedic [...] عندما نقرأ الكاماسوترا ملياً نكتشف أن الموضوع الرئيسيّ فيها ليس الجنس بذاته – الذي يشكّل شطراً من الموضوع – لكن نوعية الحياة بشكل عام بالأحرى، وكيف نؤسس أنفسنا على مستوى الساتفا sattva أو الخير [الربوبية] في مواد ناجحة وحياة روحانية. بالطبع فإن الجهل العام للجمهور سيتضاعف عبر تداوُل بعض المنشورات المشكوك بها المُنْتَجَة في العصر الوسيط من قبل حاشية عديمة الضمير كانت [في خدمة] السلاطين المسلمين الذين هيمنوا على الهند، وكانت تهدف في الواقع أن تكون محض كراريس للتربية الجنسية، مزيّنة بالأسلوب الفارسي والمغوليّ، لتغذية الفنتازيات القوية لأسيادهم، [كراريس] مملة [تحتوي على] (جماع طبيعيّ) مع مئاتٍ من زوجاتهم ومحظياتهم المحبوسات في الحريم". انتهى ما يقول الكاتب، ولعله لا يُنكر وجود رسوم ومنحوتات هندوسية للكاماسوترا سابقة على القرن الخامس عشر، ولكنه يُشدّد بالأحرى على اختفاء الدلالات الروحانية الأصلية في الأعمال التي ينقدها، وتحولها إلى مواضيع بورنوغرافية.جُل رسوم الكاماسوترا المعروفة حالياً، انتجها مسلمون لصالح حكّام مسلمين.
الكاماسوترا حسب رواية الجاحظ
نشر في: 27 يناير, 2017: 09:01 م