هنا ما يرويه ابن عساكر في (تاريخ مدينة دمشق):
"قَالَ: وصف للمتوكل موضع شبداز بقرميسين، فأمر أن يُبنى لَهُ قصر، ويجعل فِي صدره ثلاثة آزاج معقودة، ويصور فِيهَا تلك الصور، ويجمع لَهُ حذاق الصُّنّاع، ويجعل فِيهِ من المجالس والحُجَر ما يصلح، ففعل ذَلِكَ، فلما فرغ منه، أمر بأن يفرش لَهُ الأزج المُصوَّر، ففُرش، وجلس فِيهِ يشرب، فغنت فِيهِ عريب شعراً قالته فِيهِ وهو: [الشعر]…".
أولاً: يخلط ابن عساكر بين منحوتات شبذاز الشهيرة في قرمسين، جبل بيستون في إيران اليوم، وبين قصر المتوكل في سامراء. في كتاب "معجم البلدان" لياقوت الحموي الذي يقوم بالتفريق بين الموضعين، يذكر: "شبداز ويقال شبديز بالياء، موضعان أحدهما قصر عظيم من أبنية المتوكل بسر مَن رأى والآخر منزل بين حلوان وقرميسين في لحف جبل بيستون سمي باسم فرس كان لكسرى…" ثم يمضي في وصف منحوتة جبل بيستون التي ما زالت قائمة.
فهل كان الجوسق العباسيّ الذي بناه المتوكل يُسمى أيضا شبذاز؟ هذا ما يبدو لنا، فاسم القصر يرد في بيتٍ من قصيدة للبحتري يذكر فيها على التوالي قصري المتوكل (الجعفري) و(شبذاز). ما الذي كان يحتويه؟
يبدو نص ابن عساكر متشظياً، فهو يقفز إلى القول "ويصور فيها تلك الصور" فجأة. وفي الإماء الشواعر للأصفهاني القصة ذاتها وفيها "ويُصور فيها مثل تلك الصور". أية صور؟
أولاً: في هذا القصر ثلاثة آزاج، والأَزَجُ بناءٌ مستطيلٌ مُقَوَّسُ السَّقْف. وفي لسان العرب الأَزَجُ بيْتٌ يُبْنى طُولاً ويقال له بالفارسية أَوستان، والتَّأْزِيجُ الفِعْلُ والجمع آزُجٌ وآزاجٌ.
قباب الأزج تتميز بتقعرها وعدم وجود أعمدة تحملها وتنتهي بسطح خارجي محدّب ومتجه نحو السماء. والأزج يراد به بناء تعلوه سقوف مقوسة اشتهرت بها حضارة وادي الرافدين. في الإسلام توسع بناء قباب الأزج، مثل قبة قصر الأخيضر والقبة الصليبية في سامراء، ثم أصبحت تقام لأضرحة الأولياء الصالحين.
إذن هناك بناء عباسيّ بقباب (آزاج) متصلة، مرسومة بجميع أنواع الصور السائدة ذلك الوقت. أما الصُّنّاع فتعني الرسّامين في السياق الحالي. العبارة: (ويجعل فِيهِ من المجالس والحُجَر ما يصلح، ففعل ذَلِكَ) تعني أنه قسّم البناء إلى مجالس وحجرات. أما العبارة (فلما فرغ منه، أمر بأن يفرش لَهُ الأزج المُصوَّر، ففُرش) فهي غامضة بعض الشيء في يومنا، ولعلها تعني بأن الأزج المُصوَّر قد رُفع عنه الستار، أو أنْ وقع افتتاحه: (فُرِش) على محمل مجازيّ. فأين نجد أمثلة من هذه الرسوم؟
نجدها، كما أحسب، في أوراق وصور تنقيبات هرتزفيلد، وبعضها محفوظ اليوم في المتحف البريطانيّ، مثل:
أولاً: قطعة كبيرة منشورة تي تمثل أرنباً وطيوراً على الأرجح، وهي مُرمَّمة من طرف هرتسفيلد "Cornucopia Frieze"، ولكنها لم تُدْرَج في رسوم الألوان المائية التي قام بها انطلاقاً من القطع الأصلية، ونشرت في (لوحات) "Die Malereien". القطعة الأصلية موجودة أيضاً في المتحف، بوضوح أقلّ للتفاصيل.
ثانياً: جزء من قطعة أصلية محفوظة حديثا في المتحف البريطانيّ تُظْهر طيراً (ببغاء؟)
لدينا إذن شيء مما كان في قصر المتوكل، غير ما هو معروف.
في تاريخ الفن الإسلاميّ: المرويّات التاريخية عن رسوم قصر المتوكل
نشر في: 10 فبراير, 2017: 09:01 م